الشاعر والمترجم بدل رفو سفير الثقافة الكوردية بالمغرب

 


 


حسام السراي ... تطواف مكتوب مع الجواهري

 


 


الباحث والمحقق عبد الحميد الرشودي .. حكاية الحياة والادب والصداقة مع الرصافي

 


 


زهيـر بهـنام بردى.. قطرة اخرى من دمع الشمس

 


 
















 


 
 

 

علي الشوك في (أسرار الموسيقى)
 

 
 

إذا كان نيتشه استبدل الدين بالموسيقى، ولم يعرف الألم السعيد (بتعبيره) إلا من خلال الموسيقى، اكثر مما عرفه بالشعر وحتى بالفلسفة، فإن علي الشوك (العراقي المنتقل من بغداد والمتنقل بين المانيا ولندن وبيروت وسواها...) من خلال كتابه <<أسرار الموسيقى>>: (طبعة أولى عن دار المدى، دمشق 2003/ طبعة ثانية في سلسلة الكتاب للجميع مع جريدة <<السفير>> اللبنانية 2005)، يلون ايامه الحلوة والمرة، المتشردة وما اكثرها والمستقرة، بالموسيقى.. فالموسيقى ليست عافية علي الشوك، وكفى، بل هي مرضه.. مرضه السعيد او الميلانكوليا السعيدة التي ذكرها نيتشه في كتابه <<هكذا تكلم زرادشت>>.ومن مفارقات حياته (اي حياة علي الشوك) ان احلامه الموسيقية توقفت بعد قبوله <<لاجئاً في جمهورية باخ>>..

 لكن يظهر انه لاجئ ابدي في اكثر من جمهورية لاكثر من موسيقي، موزعين بين الشرق والغرب، من بابل وبغداد وبلاد الرافدين، الى موسيقى المعابد في مصر القديمة، وموسيقى الهند واندونيسيا وسوريا وسائر شعوب الشرق، الى موسيقى الغرب واميركا.. بتدرجاتها من الكلاسيكية العظيمة (باخ وبيتهوفن وموزارت وفاغنر..) حتى... موسيقى ما بعد الحداثة.. الموسيقى اللامقامية، وتفجرات الجنس والجنون والتشظي على ايدي عازفي الروك والبوب وفرق الهيبيين والخنافس.حياة علي الشوك تظهر للناظر إليها من خلال اهتماماته الموسيقية كأنها تتنقل على اوتار الآلات، فهو كاتب ذاتي فنتازي معرفي كبير في هذا الفن.. لا، هو ليس عالِماً من علماء الموسيقى والآلات ولكنه عاشق، او مريد للموسيقى بكافة اصنافها، وللآلات على تنوعها وتواريخها.. وأكاد اقول هو مداح الموسيقى ومداح الآلات ومداح الموسيقيين في هذا الكتاب.
والشغف الذي يحركه للبحث والسماح واجراء بعض التجارب الذاتية والتقصي المر المعرفي لتاريخ الآلات والموسيقيين والألحان.. كل ذلك في نظري يقدم له متعة ذاتية خاصة، فهو (كباحث في الموسيقى)، شبيه بالناقد نيفيل كاردوس Neville Cardus الذي يكتب <<ليمتع نفسه في المقام الاول>> وربما ليس قلقه او تشرده او عذابه.. إنه يغسل وجوده (على ما هو عليه) بالموسيقى. وعلى الرغم من انه وضع للكتاب عنوانا محايدا معرفيا هو <<أسرار الموسيقى>>، إلا انه من المستبعد الوصول الى فك أسرار هذا الفن، وألغاز الاصوات والانغام...ذلك انه لا الايديولوجيا قادرة على فك هذه الأسرار، ولا الاوصاف من خلال الكلمات.. وحتى بيتهوفن، وهو من اكثر الموسيقيين الكلاسيكيين قدرة على امتلاك التقنية وتوجيه المعنى او الفكرة حتى لكأنها كلمة، يبقى عاجزاً عن سبر الغور الغامض لفعل الموسيقى.. هذا الفعل الذي سماه اوسكار بي Oscar Bie (19381864) <<نبض المطلق>>..
فالموسيقى متفوقة على اللغة، وربما على الشعر نفسه، واعماقها لا تسبر.. فهي في حد ما لسان الغيب الناطق في الكائن البشري وسائر الكائنات، وحتى جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار يعتقدان أن تقنية العزف والآلات الموسيقية نظام ميتافيزيقي. يقول كروتزر، وهو بطل لقصة لتوستوي بهذا الاسم، نسبة لسوناتا كروتزر لبيتهوفن:
<<عزفوا سوناتا كروتزر لبيتهوفن.. (ثم واصل كلامه): هل تذكر المقطع الموسيقي السريع الاول؟ تتذكره؟.. وهتف: أغْ...! أغْ!.. انها شيء فظيع تلك السوناتا، ولا سيما ذلك المقطع، الموسيقى على العموم شيء رهيب، ما هي؟ أنا لا افهمها.. ما هي الموسيقى؟ ما الذي تفعله؟ ولماذا تفعل ما تفعله؟ يقولون إن الموسيقى تسمو بالروح. هذا هراء. هذا غير صحيح. إن لها تأثيرا... تأثيراً رهيباً... انني اتحدث عن نفسي، لكنه ليس من النوع الذي يسمو بالروح... إن تأثيرها لا يسمو ولا يهبط بالروح، بل يورث انفعالاً كيف اعبّر عنه؟ الموسيقى تجعلني انسى نفسي>>.
علي الشوك نسي نفسه وهو يتتبع آثار هذا الفن، ويتلمسه من حيث ارتفعت نغمة، او سُمع لحن، او عزفت آلة او اوركسترا، ينفعل به، ويجد لذة عارمة في السماع، كما يجد لذة عارمة موازية في التقصي وتتبع آثار وتواريخ الموسيقى، والألحان، فضلا عن الموسيقيين والعازفين والآلات، لدى الشعوب القديمة وفي الفنون الحديثة وما بعد الحديثة... وهو في هذا الصنيع صياد وصاحب مزاج ذاتي في الصيد. يلتقط النبذة الموسيقية حيث يجدها. قلنا انه فنتازي، سيما انه صاحب كتاب <<الاطروحة الفنتازية>> حيث يذكر انه زار مدينة الموسيقى فاستقبله افلاطون في مدخلها..
لكن علي الشوك يبحث عن احلامه في كل مكان: يتردد على مخزن His Master's Voice في شارع اوكسفورد في لندن، ويصغي الى خشخشات الموسيقى الاسترالية والى الاصوات الاحتكاكية لدى شعوب استراليا الاصليين والى <<موسيقاهم اللاموسيقية>> كما يقول ويضمها الى مكتبته التي أسس نواتها في بغداد.. ثم تضخمت بعد ان ضم إليها تسجيلات موسيقية لموسيقيين وشعوب قديمة وحديثة، من موسيقى النوه Noh اليابانية التي تؤدى بمصاحبة اعمال مسرحية الى موسيقى الغاميلان الاندونيسية حيث تتداخل ضربات الطبول مع رنين الاجراس.
ومن عصر الغرامافون حيث يتساءل اذا كان كلود ديبوسي (19181862) قد ترك تسجيلا لعزفه على البيانو الى تسجيلات شوبان وفرانزليست الى هايدن وبيتهوفن وفاغنر الى باخ الذي اطلع على الجناح الموسيقي الخاص به في مكتبة ايلنغ، حيث يوجد زهاء عشرين كتابا عن باخ وحده... الى الموسيقى المسجلة على الكاسيتات والاقراص المدمجة..
ولا يتصيد الباحث صيده في المكتبات الموسيقية وحدها، بل يصغي الى محطات الاذاعة: مع راديو 3 وقناة BBC التلفزيونية الثانية، ويغوص في اعماق المعاجم: معجم غروف Grove الموسيقي بأجزائه العشرين حيث يبحث فيه تارة عن جذور الهللويا في موسيقى الكنيسة الغربية، وعلاقتها بالتهليلة العربية والبابلية، وطوراً عن موضوع <<الهوكيت>> في الموسيقى الغربية الذي ربما كانت له علاقة بالايقاعات العربية...
يقرأ كتاب تاريخ اوكسفورد الموسيقي بأجزائه المتعددة ويكون رفيقه ومرشده في مكتبة المعهد البريطاني في بودابست، حيث يستدله في كتابته عن الموسيقى العربية الكلاسيكية، ويعثر على ما يسميه <<كنزاً>> وهو كتاب... ديبوسي: حياته وافكاره لمؤلفه: Edward locks peiser يقرأ أسرار الموسيقى المينيمالاية في مينيمالية نيويورك N.Y. minimalism ويصل الى موسيقى اللاموسيقى، وموسيقي ما بعد الحداثة لدى جون كيج John Cage (19921912) وشتوكهاوزن (المولود 1928) وبوليز (المولود 1925).
موسوعية
كتاب علي الشوك كتاب موسوعي ومحيّر. بل لعله كتب كثيرة في كتاب واحد. وهو، وإن كان يكسر من خلال فصوله المتنوعة، كآباته الشخصية التي تزوره بين الحين والآخر، إلا انه ايضا يقدّم معرفة قيمة ومتعة لا تحد، في ما يختص بفن الموسيقى... فيسرّب إلينا العدوى.. من اكثر من باب.
ففي بحثه، مثلا، عن <<فلسفة الموسيقى>>. يسأل: <<اريد ان افهم، لماذا اضفت الاسطورة على موسيقى اورفيوس سحراً جعل الحيوانات وحتى الاشجار والصخور تتبعه حين يعزف (ولعل هذه الفكرة في الميثولوجيا اليونانية مستعارة من سومر واكاد)...؟
ولماذا يفقد بحارة اوديسيوس رشدهم امام غناء السيرينات SIRENS فتنصحه كيركة بأن يضع شمعا في آذانهم وان يوثقوا يديه ورجليه الى سارية السفينة، ويطلب منهم ان لا يفكوا وثاقه اذا افتتن بغناء السرينيات؟ وكيف سحر عازف المزمار في (هاملن) الاطفال فتركوا منازلهم وتبعوه؟
ولماذا تدفع الموسيقى الملك ريتشارد الى الجنون في مسرحية شكسبير. الى جانب هذا المشهد الاسطوري الطوباوي في فعل الموسيقى، من خلال اساطير يونانية وسومرية قديمة، ومواقف مسرحية وشعرية، يحسن ايراد ما ذكره ابو حيان التوحيدي، صاحب كتاب <<المقابسات>>، في الرسالة البغدادية.
يقول: <<ثم ترى أبا عبيد المرزباني، وكان مؤرخاً وأديباً. وقد سمع هذا الغناء، فتمرغ في التراب، وهاج وازبد ونعر واستعر وعض بنانه وركل برجليه، ولطم وجهه ألف لطمة، في ساعة، وخرج كأنه عبد الرزاق المجنون في باب الطاق>>.
قد يكون هذا الكلام مبالغا فيه... ولكننا من جهة مقابلة، قد نشاهد هستيريا جماعية تنتاب المستمعين في حفلات الروك والبوب، على ايدي مغني وفرق هذه الفنون المابعد حداثية.. وقد نجد اثراً مخدرا لبعض الموسيقى الشرقية (شانكار الهندي)، او اليابانية، والموسيقى بكل الاحوال، مربوطة بعصب من السحر والبدائية، ارتباطها بطقوس العبادات في المعابد.
أما في البحث عن تطور الموسيقى في الغرب بخاصة، فالباحث يرصد المأزق الموسيقي بين الماضوية العذبة كما يذكر بيرجس في كتابه <<موزارت وعصابة الذئاب>>، والحداثة المائلة للفوضى والضجر من المستهلك.. راصداً أساليب التجاوز والتنويع. فكما في الشعر حداثة modernisque وما بعد حداثة Postmodernisme، كذلك في الموسيقى.
لقد ابتكر ماوريسيو كاغل Mouricio Kogel (المولود 1931) الى جانب ليغيتي ما يسمى بالأوبرا المضادة. كما يعتبر كل من جون كيج وشتوكهاوزن موسيقيين مابعد حداثيين. بعد سقوط الموسيقى المقامية وموسيقى الحركات الطليعية Avant- Garde- ... ومثلما ظهرت مؤلفات في الميتا رواية (ما فوق الرواية)، ظهرت كتب في الميتا موسيقى (تقطيع اوصال اورينوس) حيث الحداثة المشطورة...
وثمة عشرات الكتب ظهرت في الغرب، تدور حول ثقافة ما بعد الحداثة، حيث تحتشد المفاهيم التالية، بتعبير علي الشوك <<رفض العقلانية والتنويرية والتطلعات الكبرى والاحلام الطوباوية والنزعة التقدمية، ومكافحة قوى الشر، وتمجيد الشيزفرانيا، والتفكيكية والتجزيئية والاختزالية والعدمية والفوضوية...>>.
الموسيقى اللامقامية
إن اجتراح اصوات كأصوات القردة، واستثارة <<الهستيريا الخلاقة>> وتأليف اي شيء والتقاط اي صوت واللامقامية (كما يرى إليها ادورنو)، وموسيقى المصادفة (عند ليوتار) والفنون الاولية، والابعاد التحررية لموسيقى الروك.. كل ذلك من بصمات موسيقى مابعد الحداثة.

وكباحث تاريخي في تطور الموسيقى، يلاحظ علي الشوك ثلاث مراحل للموسيقى الغربية: الاولى موسيقى ما قبل الحداثة وهي الموسيقى المقامية ابتداء من موسيقى بالاسترينا مروراً بفيفالدي وباخ وموزارت وبيتهوفن وحتى فاغنر.

والثانية موسيقى الحداثة في اطارها الطليعي لدى ديبوسي وسترافنسكي وبوليز وشتوكهاوزن وتطغى عليها اللامقامية والمختبرية او الموسيقى الالكترونية.
والثالثة موسيقى ما بعد الحداثة ويعتبر كل من جون كيج وبرييه Briers وهولدي وتريديتشي Tredici ولوريا آندرسون Lauriaanderson من ابرز رموزها في ابعادها التحررية وتنافر الاصوات والشطح والمغامرة.

يمارس علي الشوك احيانا ما نسميه مدائح الآلات الموسيقية، مستعيرا اقوالا لبعض العازفين عليها. يقول احدهم عن الكمان <<انها الكائن الحي الوحيد معه في المنزل.... إن لهذه الآلة بعداً بشرياً حياً>>، ويذكر السوناتا التي عزفها تارتيني على الكمان تسمى <<رعشة الشيطان>> وتشتمل على رعشة طويلة في حركتها الرابعة...

ويمجد باغانيني كأعظم عازف كمان في القرن التاسع عشر، فقد كان باستطاعته ان يقطع غير وتر من الكمان ويستمر في العزف على الاوتار الباقية على أتم ما يكون. وعن لغة التشيلو يتحدث بابلو كازالس (19731876) فيقول إن صوتها جعله عاجزا عن التنفس <<كأن تياراً كهربائياً سرى في جسدي>>. اما البيانو فهو <<الآلة الكاملة>> بتعبير الناقد البريطاني نيفيل كاردوس Neville Cardus.
كان في إمكان علي الشوك ان يسمي كتابه <<احوالي في الموسيقى>> وليس <<أسرار الموسيقى>>، وما كان يبتعد عن الصواب.

 

 

 
 صفحة للطباعة صفحة للطباعة

 أرسل هذا الخبر لصديق أرسل هذا الخبر لصديق

 


  · البحث في اخبار
· البحث في اخبار جميع الصفحات


أكثر خبر قراءة في :
علي الشوك في (أسرار الموسيقى)