الشاعر والمترجم بدل رفو سفير الثقافة الكوردية بالمغرب

 


 


حسام السراي ... تطواف مكتوب مع الجواهري

 


 


الباحث والمحقق عبد الحميد الرشودي .. حكاية الحياة والادب والصداقة مع الرصافي

 


 


زهيـر بهـنام بردى.. قطرة اخرى من دمع الشمس

 


 
















 


 
 

 

مختارات عالمية: الشاعر الألماني ريلكه: (بعض الأعاصير كأنها ولد لي)
 

 
 

شوقي بزيع
ريلكه
يعتبر الشاعر الالماني رايز ماريا ريلكه أحد أبرز الشعراء الالمان وأكثرهم تعبيراً عن نوازع الإنسان وتناقضاته الداخلية وبحثه عن الخلاص عبر الحب والشعر والاندماج بروح العالم. وإذا كان ريلكه كغيره من شعراء بلاده يهتم بالفلسفة والفكر ويصغي الى صوت العقل فهو خلافاً للكثيرين استطاع أن ينجو من البرودة الذهنية ووطأة الأفكار المجردة وأن يكسب شعره الكثير من الحرارة والدفء والتوهج العاطفي.

 وقد يكون لهذا الدمج المتفرد بين الطبيعتين الفلسفية والوجدانية في شعره أبلغ الأثر في شيوع هذا الشعر وانتشاره وملامسته لسائر الطبائع والأجناس. ولأنه شاعر الحيرة والقلق والبحث عن الحرية بامتياز فقد اعتبره البعض أحد الينابيع الأهم للفلسفة الوجودية حيث رأى هايدغر انه لم يضف في فلسفته عمقاً جديداً الى ما عبّر عنه ريلكه في صور شعره.

لم تكن المختارات الشعرية لرايز ماريا ريلكه والتي ترجمها مباشرة عن الالمانية الكاتب السوري سليمان حاج علي هي الاولى في هذا المجال. فلقد سبق للشاعر اللبناني فؤاد رفقة أن نقل بدوره بعض أعمال ريلكه وقصائده الى العربية مركزاً بحكم حساسيته الشعرية على العناية بالجانب الجمالي من الترجمة ومختاراً من الصيغ والمفردات ما يحتفظ بجرس اللغة ونكهتها. أما المترجم حاج علي فهو يقدم صورة أكثر شمولاً عن نتاج الشاعر الالماني ويظهر حرصاً بالغاً على نقل صورة وافية عن هذا النتاج بدءاً من البواكير <وكتاب الصور> و<كتاب الساعات> ووصولا الى <القصائد الجديدة> و<أغنيات لأورفيوس>.

ولما كانت الترجمة صورة عن صاحبها وليس عن المؤلف الاصلي فحسب فإن كل مترجم يضفي الى النصوص التي يقوم بترجمتها الكثير من روحه ونفسه وحساسيته اللغوية وهو ما يمكن دعمه بعشرات الأدلة والشواهد في هذا الباب. فترجمة الشعراء تختلف عن ترجمة النقاد الأدبيين كما تختلف عن الاكاديميين والمتخصصين. وإذا اتسمت ترجمة فؤاد رفقه على النضارة الجمالية المتأتية من الشعر فإن الترجمة الجديدة تبدو أقل احتفاء باللغة السيالة واقل تصرفاً بمفرداتها وتراكيبها ولكنها أكثر ميلاً الى الدقة والامانة في نقل المفردة أو المعنى. والفرق بين الاثنين ليس فرقاً في الجودة أو القيمة بل هو تباين في المدرسة والاسلوب وفي مفهوم الترجمة لدى كل منهما.
الحب في العتمة

تنتمي القصائد المئة التي قام سليمان حاج علي بترجمتها الى مختلف المراحل التي مر بها ريلكه في مسيرته الشعرية القصيرة نسبياً، حيث ان عمر الشاعر لم يتجاوز الخمسين عاماً. وهو بوضعه النصوص الالمانية الاصلية قبالة ترجماتها الى العربية انما يهدف الى وضع التجربة برمتها أمام القارئ الذي يتقن اللغتين معاً أو يلم بهما، كنوع من الامانة أو الشجاعة الادبية أو إتاحة الفرصة للقراء العارفين بالمشاركة الشخصية وإجراء المقارنات وفق آرائهم وأمزجتهم. أما القراء الآخرون الذين لا يعرفون اللغة الاصلية، وهم الكثرة الكاثرة من القراء، فيتيح المترجم لهم أن يتتبعوا مسيرة الشاعر منذ بداياته وأن يتلمسوا مقدار ما أصابه من تبدل وتطور على الرغم من الخسائر الفادحة التي تصيب الشعر لدى نقله الى لغة اخرى.

لا تحمل قصائد الشاعر الاولى أية عناوين محددة بل تأتي مسبوقة بمجموعة من النقاط، كما لو ان ريلكه يريد لها أن تظل مبهمة ومفتوحة على التأويل. والقصائد بمعظمها تدور حول فكرة الحب وانبثاقها المفاجئ من العتمة وقدرتها على إصابة القلب بالشلل والروح بالانخطاف. ورغم الطابع الرومنسي الواضح لهذه القصائد التي أهداها ريلكه للمرأة الوحيدة التي أحبها، فإنها تبدو مترعة بالاسئلة الحائرة والقلق الوجودي، كما تبدو المرأة عنده نوعاً من اللغز الذي يصعب فك رموزه من قبل الرجل. كانت حبيبته لو أندرياس تكبره بأربعة عشر عاماً، ولكن هذا الفارق في السن لم يقلل من تعلقه بها حيث يقول لها في احدى الرسائل: <إن شخصك كان الباب الحقيقي الذي وصلت من خلاله>.

ويخبرنا المترجم في مقدمته القصيرة للمختارات بأن الفيلسوف الالماني نيتشه لم يستطع تجنب الوقوع في حب اندرياس التي قال حين التقاها: <من أي نجوم التقينا لنلتقي أخيراً>. لكنه، وهو الذي اعتبر جمال المرأة خطراً محدقاً بالرجل، ما لبث أن كتب بعد صدّها له مرتين اثنتين: <إذا ذهبت الى المرأة فخذ معك السوط>. أما مقاربة ريلكه لذلك الحب فكانت مختلفة تماما حيث ظل الانبهار رفيقه طوال الرحلة. كما ان قصائده الاولى تكرر دائما صورة الزلزال الصغير الذي تحدثه المرأة في النفس فيخاطبها في احدى القصائد: <كيف تبدى لك الحب؟/ هل تألق مثل الشمس/ مثلما الازهار/ ام بدا مثل التضرع للاله؟/ قصي علي: /سعادة وهاجة شعت من السماء/ ثم حطت تتأرجح عاثرة/ ملامسة روحي المتفتحة>.

في <كتاب الصور> تحتفظ لغة ريلكه بتوهجها المتزامن مع اندفاعة الشباب وحيويته المدفقة. ولكن الرؤية تتسع لتصبح أكثر شمولاً ويصبح الحب نفسه حافزاً لمعرفة الطبيعة والعالم ولتقصي الداخل الإنساني في كل ظلاله وأبعاده. يتحدث ريلكه في هذه المرحلة عن العزلة التي لا تجد من يسترق السمع إليها وعن الاثارة الرفيقة على ستار الغربة المتوتر وعن ترجيع الأنفاس الذي تعلو معه النجوم وتهبط. ثمة نزوع واضح في هذه المرحلة الى استنفار الحواس الخمس والافادة منها الى أقصى حد ممكن في التقاط الاشارات الآتية من العالم. يقترب ريلكه هنا من الانطباعيين الذين يرمون أنفسهم في الطبيعة مصغين الى هسيسها الخفي وإشاراتها الجمالية المفتوحة على حدّي المتعة والوحشة ومحاولين أن ينقلوا الى ذواتهم بالذات حوار الضوء والظل أو الداخل والخارج.

وذلك ما يظهر جلياً في قصيدته اللافتة <في شهر نيسان> التي تنهض فيها القبرات المجنحة لتبدد ما يثقل كواهلنا المتعبة، وحيث نستطيع من خلال الفسحات القائمة بين الأغصان أن نشعر بالفراغ المتروك في قلب النهار. لكن القصيدة اللافتة في هذه المرحلة هي تلك المؤرخة في العام 1900م. والتي يتنبأ ريلكه من خلالها بإمكانية وجود مخلوقات اخرى تحدق بنا من كواكبها البعيدة أو إمكانية كوننا صوراً وظلالاً لتلك المخلوقات.

واذا كنت ممن لا يؤمنون كثيراً بفكرة الشاعر النبي أو المتنبئ فإنني لا أملك سوى شعور عارم بالدهشة إزاء ذلك البعد الاستشراقي في قول ريلكه: <غير بعيد أن نكون هناك في الاعالي/ في السماء/ منسوجين على صورة مخلوقات اخرى/ تنظر بإعجاب إلينا في المساء/ ربما يمدحنا شعراؤهم/ وقد يسجد لنا الكثير منهم ويصلي/ وقد نكون أهدافاً للعنات غريبة لا تصل إلينا قط>.

وفي المرحلة نفسها ايضا يقدم ريلكه قصيدة جميلة اخرى عن الطفولة تمتد مشاهدها من الخوف المستمر من المدرسة وانتظارها الطويل وصولا الى الوجه الشاحب الصغير الذي يرتفع من بحيرة غارقة، لتنتهي القصيدة في سؤال الشاعر المثخن بالمرارة <أيتها الطفولة/ أيتها المقارنة الهاربة/ الى أين؟/ الى أين؟>.
وطأة الزمن
يلح سؤال الزمن كثيراً في قصائد <كتاب الساعات> التي يقدم فيها ريلكه مقاربته العميقة لإحساس الانسان بوطأة الزمن وثقله وقوة تأثيره في الكائنات والأشياء. وما يلفت في القصائد هو كون الشاعر قد كتبها في عمر مبكر لا يتجاوز النصف الأول من العشرينيات، في حين ان المعرفة والادراك اللذين تختزنهما في داخلها لا يتأتيان عادة إلا بعد هذه السن بزمن طويل.

لكن إحساس الشاعر بالزمن لا يقتصر على البعد المأساوي فحسب بل يحمل ايضا إشارات معاكسة تتصل بالتحول والنماء وتوفير الفرص الأكثر ملاءمة لتحقيق الذات. لذلك لا عجب ان يصف الشاعر الرنين المعدني لرقاص الساعة بالرنين الودود، أو ان يرى في الحياة حلقات متصلة تتيح لصاحبها على الأقل أن يشرع بتحقيق الاحلام حتى ولو لم يصل مشروعه ذاك الى نهاياته. وهو في قصيدة اخرى ينحاز حتى للأوقات العصيبة والسوداء باعتبارها جزءاً من تجربة الحياة الثمينة: <أحب ساعات وجودي المظلمة/ ففيها تزداد بصيرتي عمقاً/ وبها وجدت كما في الرسائل القديمة/ ان حياتي قد عشتها/ مثل أسطورة قديمة طويت>.

على ان الأمر الاكثر إلفاتاً في تجربة ريلكه هو تفلتها من الرتابة والنمطية وقدرة صاحبها الفائقة على النظر الى العالم من غير زاوية ومكان. فهو ينزع تارة الى الرومنسية المفرطة ثم ما يلبث أن يغادرها الى الواقعية أو الرمزية. وهو يميل حيناً الى العاطفة السيالة وحيناً آخر الى التأمل الهادئ والحيادي. وهو يقترب آونة من التجريد فيما يقترب آونة اخرى من الحسية والتصوير الدقيق والمعاينة المباشرة. وقد تكون قصيدته <الراقصة الاسبانية> التي تنتمي الى المرحلة الثانية في شعره احدى أجمل القصائد التي تضمها المختارات.

ففي هذه القصيدة يبدو الجانب المتعلق بالحياة في شعر ريلكه، كما تبدو قدرته الفائقة في الوصف ومتابعة التفاصيل والاحاطة الدقيقة بالصورة بما يجمع بين فن البورتريه وبين التقصي العميق والولوج الى سريرة النفس البشرية: <كعود ثقاب فضي في اليد/ يمتد قبل اشتعاله في كل صوب/ بلهب جافل/ تدور الراقصة/ وتلاحقها بالقرب منها نظرات لاهبة/ وتنداح دائرة رقصها المحموم../ وعندما تغدو الحماسة فاترة/ ترسم البسمة في محياها تحية/ وتدق الارض بقدمها الصغيرة المحنكة>.
باطراد واضح تعمقت تجربة ريلكه كتاباً بعد كتاب ومرحلة بعد مرحلة، ودائما ثمة هذا السجال الدائم بين الحضور والعدم في شعره حيث الحياة والموت يتبادلان الأدوار. واذا كان ريلكه قد أعلن في مقتبل عمره <إنني أحمل قطعة من الأبدية في صدري> فإنه سيظل يحمل هذه الرؤية الى الوجود حتى نهاية حياته.

ذلك ان الموت الذي يؤذن اذ ذاك بالاقتراب لن يكون بالنسبة له نهاية المطاف بل محطة جديدة في طريق التحول وتبادل الادوار بين الكائنات: <كم من مقامات هذا الكون قد أقامت في داخلي/ بعض الاعاصير أشعر بها وكأنها ولد لي/ أتعرفني أيها الهواء/ يا من سوف تحل مكاني ذات يوم؟/ يا من سوف تكون لي حاجزاً زلقاً/ أو وعاء وديواناً لأشعاري>.

 

 

 
 صفحة للطباعة صفحة للطباعة

 أرسل هذا الخبر لصديق أرسل هذا الخبر لصديق

 


  · البحث في اخبار مختارات عالمية
· البحث في اخبار جميع الصفحات


أكثر خبر قراءة في مختارات عالمية:
(ديوان نيتشه)...في ترجمة عربية