الشاعر والمترجم بدل رفو سفير الثقافة الكوردية بالمغرب

 


 


حسام السراي ... تطواف مكتوب مع الجواهري

 


 


الباحث والمحقق عبد الحميد الرشودي .. حكاية الحياة والادب والصداقة مع الرصافي

 


 


زهيـر بهـنام بردى.. قطرة اخرى من دمع الشمس

 


 
















 


 
 

 

كتب: بمناسبة صدور مجموعته الشعرية الجديدة ( عزلة الحمل في برجه )
 

 
 

الشاعر شاكر لعيبي: قراءة الشعر تحتاج إلى استتباب مكاني ووجودي

منذ أن أصدر شاكر لعيبي مجموعته الشعرية الأولى (أصابع الحجر) عام 1976 ، استطاع أن يشد الانتباه إليه في زحمة الشعراء الكبار الذين كانوا يتصدرون المشهد الشعري العراقي آنذاك ، متمكناً من اقتحام الوسط الثقافي العراقي والذي يصعب على الشعراء الشباب دخوله بسهولة في ذلك الوقت، وتعتبر مرحلة السبعينيات من أصعب المراحل التي خاضها الأديب العراقي بشكل عام والشاعر بشكل خاص  ، نظراً للظروف الدراماتيكية والتقلبات السياسية التي كانت تعصف بالعراق في تلك المرحلة والتي أدت الى هجرة المثقفين الذين تعرضوا الى مصادرة حريتهم وقمعهم بشتى الطرق !


كان شاكر لعيبي واحداً من هؤلاء الذين غادروا البلاد باحثاً عن ضالته التي كان يجدها دائماً في مشروعه الشعري الذي تنقل معه من مدينة الى أخرى وبدأ باصدار دواوينه الشعرية في المنفى بعد أن أثبت حضوره الشعري داخل العراق وهو لم يتجاوز العشرين من عمره  ، ليؤسس الى قصيدة جديدة مشذبة من كل الزوائد ، صافية ، عذبة تحيلك في احايين كثيرة الى اللغة التي يطمح الشعر اليها  لتصل الى المتلقي بهدوء، الأمر الذي ينتج عنه صدمة داخل الخيال ذاته .
بعد عذابات الغربة الأليمة التي داهمته ظل مواظباً على القراءة واكتشافه لعوالم ورؤى جديدة مكنته لان يطرح العديد من تجاربه الشعرية والتي أسست لمشروع شعري مغاير عن مجايليه والذين سبقوه، وما أن استقر به المطاف في سويسرا حتى شرع بدراسة الفنون حاصلاً على شهادة الدكتوراه، كما تعمق كثيراً بدراسة علم الاجتماع ، .... إنه الشاعر المثابر والباحث عن لآلىء الشعر في عمق البحر، ففي كل مجموعة شعرية  كان يصدرها يؤكد على حضوره المتميز ليس داخل خارطة الشعر العراقي فحسب انما كان حضوراً لافتاً في الخارطة الشعرية العربية وبقوة، لقد أصدر شاكر لعيبي عشر مجموعات شعرية، كما وأصدر العديد من الكتب والدراسات عن فن الشعر والفن التشكيلي والترجمة. وبمناسبة صدور مجموعته الجديدة عن دار النهضة العربية في بيروت والتي هي بعنوان (عزلة الحمل في برجه) كان معه هذا الحوار الذي يسلط فيه الاضواء على نقاط مهمة في  تجربته الشعرية وعن الوطن والمنفى ...
* العاصمة بغداد وأمكنتها، شارع الرشيد، مقهى البرلمان، مقهى البرازيلية، شارع أبو نؤاس وحاناته، اتحاد الأدباء في ساحة الأندلس، وأماكن كثيرة كنت تتردد عليها، ما الذي ظل في الذاكرة منها بعد اكثر من ربع قرن من الزمان وانت تعيش المنفى بكل تفاصيله، على الرغم من خراب الحروب وويلاتها المستمرة التي عصفت بمدينتك بغداد ومدن العراق الاخرى منذ عقود ومازالت، وكيف تحدثنا عن حنينك لتلك الأمكنة؟
-       لا أستطيع أن أقول في ذلك خيراً مما كتبته في نصوصي الشعرية- البصرية (العمى... ما الذي أبقيتَ للباصرة: محاولة لتعمير ذاكرة بصرية) المنشورة في مجموعتي "جذور وأجنحة" 2007. وفيه استحضار حرفي لما تقول لكن بروح أخرى. فلم يكن الأمر في تلك النصوص يتعلق بالحنين. إن كل حنين (نوستالجيا) يعلن ضعفاً فادحا وربما سذاجة، لأنه يقرّر أن الأمكنة الأخرى في العالم أقل حناناً أي أننا لا نستطيع التكيف في العالم الكبير الذي نعيش فيه. في هذه الحالة فإننا ننزع عن أنفسنا صفات المشترك العميق الذي يربطنا بأماكن أخرى وكائنات وثقافات مغايرة. كانت استعادة تلك الأماكن التي تتحدث عنها في نصي المذكور بمثابة تحديق في ألم ما، ألم عظيم أصابني بعد أن رأيتُ الخراب الذي قيد البلد إليه بعد عام 1991 حيث كتبت ونشرت عام 1992 نصوصا ثلاثة طويلة من أجل تعمير الخراب الواقع في ذاكرتي البصرية. لا يتعلق الأمر بنوستالجيا. لم أعرف في العراق في الفترة التي عشتها فيه إلا أياما معدودات من السعادة. كيف يمكن أن يشعر المرء بالحنين إلى مكان أشعره بالخوف دائما والترقب والحيرة ومورست فيه ضده كل أنواع الرقابات؟. لست ممن يؤمن بأن بلادي وإن جارت عليّ ... إلخ. إن التعداد الدقيق لأسماء الأمكنة في تلك المكنة في تلك النصوننصوص كان يهدف، كما اكتشفت لاحقاً، مواساتي لنفسي فحسب وليس حنينا بالضرورة. كان شهقتي الأخيرة قبل اليأس الأخير الكبير الذي سكنني من حينها. لاحظ أيضا ان هذا الحنين الوطني المزعوم لا يوجد البتة لدى العراقيين اليوم. فلا رغبة لأحد بالعودة للبلد، ليس لأن وضعه الأمني أو السياسي غير ملائم، لكن لأنهم أكثر سعادة في أستراليا والقطبين الشماليين وكندا وغير ذلك من الأماكن. إنهم منطوين على ذواتهم الفردية من دون حنين البتة. وما تبقى فمن الكلام الجميل. مثلهم مثل من خرج بعد الاحتلال الأمريكي إلى سوريا والأردن على أمل الخروج لأوربا والأمريكتين، هنا أيضا ليس دائما بسبب الوضع الأمني ولكنه كان يريد الخروج منذ سنوات التسعينيات فلم يتح له الأمر. اليوم لديه على الأقل مبرر جد قوي، لكن جوهر الأمر أنه يريد الخروج من سجن كبير في زمان سابق ووضع مترد اليوم. ولو أتيح للكثير جدا من العراقيين الخروج الآن من البلد لفعلوا، خاصة من بين المتعلمين وأصحاب الشهادات والمهن المطلوبة. الأمر يدل على عدم وجود حس مديني في الأحوال كلها وليس حنيناً. هناك علاقة مغايرة مع المكان الذي تتحدث عنه، وهو متغلغل في نسيج نصوصي. هل علينا أن نقول الأسماء الصريحة للأماكن دوما لكي نكون قد انشغلنا واشتغلنا على المكان؟ هذا تبسيط مخل. ليس نصوصي من تنطوي على مشكلة من هذا القبيل فحسب وإنما نصوص الكثير من الشعراء العراقيين وبشكل أكثر صراحة مني حتى أنني يمكن أن أقدم انطولوجيا للمكان في الشعر المنفيّ العراقي، أنطولوجيا مؤثرة وشعرية عن جدارة.
*  تقول ذلك مع أن الناقد ياسين النصير يؤكد مرارا وتكرارا ما قرأته له مؤخرا: "نقرأ قصائد الشعراء العراقيين المهاجرين، فلا نجد في بعضها معلماً بمدينة أو مكان إلا ما ندر. فالمكان شبه غائب عن القصيدة، لا توثيق يدل على الشعر بقدر ما يدل الشعر على العالم...".
-       لا أستطيع البتة فهم ذلك. أشعر بالأسى لأنني معني به أيضا كما أحسب. علينا في البدء تكريم الناقد النصير الذي أمضى أربعين عاما في الكتابة من دون عقوق. وهو أمر لا يمنعنا من القول إن قراءاتنا مختلفة للنصوص، أو لعل مراجعنا للشعر العراقي مختلفة عن مراجعه. إنني ألاحظ ان في العبارات مفارقة وتناقضا ففي حين يتكلم الصديق الناقد عن قصائد الشعراء العراقيين بالمطلق يدلف فورا في الجملة التي تليها قائلا أن لا "يجد في بعضها"، مُبَعِّضاً هذه المرة. بين (الإطلاق) و(التبعيض) تقع مفارقة كبيرة على المستوى النقدي. أما على المستوى النصيّ، فلا حاجة بي لاستعادة ما قلته سابقا لكنني أشعر بالأسى والغضب الخفيف أن لا يقرأ البعض إلا العناوين أو حتى أنهم لا يرونها. في مجموعتي الأخيرة مثلا "عزلة الحمل في برجه" نلتقي بمشكلة مكانية عن جدارة ولكن ببعد آخر يكشفه العنوان منذ الوهلة الأولى، أترك للمستقبل اكتشاف ما أزعم. سأذكر لك ما قد يكون طرفة بهذا الشأن: قصيدتي (العمى... ما الذي أبقيت للباصرة) لا تذكر الأماكن فحسب وإنما بعض الأسماء أيضا ومن بينها اسم ياسين النصير. سابقا كان النصير يقول أن المكان العراقي لا يحضر في الشعر العراقي خارج البلاد كما كتب ذات مرة في جريدة (بريد الجنوب) والآن يقول أن مكان الهجرة لا يحضر... هذا تفارق وتناقض.
* دائما الشاعر انسان يخاصم الواقع رغبة منه في التغيير الى الاحسن والأفضل، وغالبا ما تتسع الهوة ما بين الواقع والحلم، كيف تعاملت مع هذه الهوة؟.
-   الشاعر حالم عن جدارة بالقليل الذي يبقى عنده. وهو كثير عند العالم. بل كثير جدا بعيدا عن شجون من لا حلم له. على أي حال طبيعة الخصام من صفات برج الحمل كما يقول المنجمون الأفاكون، لكنهم ينسون أن الحمل هو أيضا رمز منحه القديس يوحنا للسيد المسيح،  وبالنتيجة للمضحي في سبيل قضية أو وهم كبير. وكبش إسماعيل هو بالضبط حمل المسيح.  الشعر يجسِّر الهوة بين الواقع والحلم لأنه يكتشف المعاني الوجودية الواقعة في المسافة بينهما.

* كانت مرحلة السبعينيات في العراق متوهّجة ثقافياً ومشتعلة سياسياً، ويصح القول انها مرحلة عصيبة، كيف تفسرون ذلك التوهج الثقافي على الرغم من الظروف السياسية الصعبة ؟.
-      سأقول لك في البدء إن التقسيمات العشرية للأجيال لا تزعج العقل الصاحي فقط بل أنها ضرب من ضروب الوهم العراقي الصافي، ومطية للبعض ممن لا يمتلك الشعر لإيجاد موطىء قدم له في التاريخ الشعري. خاصة لأنها تقوم على نفي الآخرين بحيلة مطلية بالنقد. إنها غير موضوعية أبداً ومتخيَّلة وإن إصرار البعض على القول بها هو بالضبط نفي للآخرين وتضخيم لما هو بالون بلاستيكي سريع الانفجار لا غير، وبطبيعة الحال أدْرِجُ في ذلك (الجيلَ السبعينيَّ) نفسه. غير أن (سنوات السبعينيات) وما تلاها شهدت، كما نعلم جيدا وكما يعلم من له ذاكرة بصيرة، متحولات جذرية عدة وشكلت نقطة حراك وسجال ليس على المستوى الشعري وإنما على كل صعيد لأسباب شرحتها مطولا في مناسبة سابقة. تقول إنها عصيبة وأضيف أنها حيوية حتى أن الانشطار الذري الحادث فيها يجب أن يحسب لصالح ذلك السجال الذي عبّر عن نفسه بتلك الطريقة في تلك اللحظة. بطبيعة الحال هذه المرحلة السبعينية شهدت لأول مرة في تاريخ الشعر العراقي الحديث هجرة واسعة للشعراء الذين لا يعرفهم جيدا المصابون بعقدة التجييل العشري، ويمتلكون عنهم قناعات تدل على قلة المتابعة. لقد وقع في داخل العراق نفي مقصود للشطر المهاجر، الرديكالي شعريا وأخلاقيا، نفي لا يرف له جفن. لكن الواقع يُثبت بعد أكثر من ربع قرن استحالة نفي النصوص الشعرية الجيدة حتى لا أقول الخلاقة. سأظل أكرر أن هناك في العراق من يجهل تماما الفترة السبعينية حتى بعد أن تهيأت له الظروف لمعرفتها. لأنه مكتف بالقليل الذي عنده وبأوهام لا يريد مغادرتها.
* في بغداد عام 1976 صدرت مجموعتك الشعرية الاولى (أصابع الحجر) وكتب النقاد في حينها مبشرين بمولد شاعر جديد، هل رأى النقاد والدارسون أن (أصابع الحجر) هي امتداد لتجربة الستينيين، أم لأنها اختلفت عن تجاربهم، لتؤسس مع نظيراتها من المجموعات التي صدرت في سبعينيات القرن الماضي  لجيل جديد من الشعراء ؟.
-     لم يكتب عن تلك المجموعة ممتدحا إلا شاعر من جيلي في جريدة يومية، بينما رأى الناقد الراحل عبد الجبار عباس والناقد طراد الكبيسي والشاعر فاضل العزاوي ثم الشاعر سعدي يوسف في أوائل نصوصي شيئا جديرا بالانتباه. ما عدا ذلك تعرضت المجموعة للتجاهل، بل ان كاتبا مثل الراحل سامي محمد كتب بحدة في مجلة اتحاد الأدباء العراقيين في ذمها. لم تكن نكهة تلك المجموعة ومزاجها ليعجبا اللحظة الثقافية السائدة فقصائدها تتكلم عن الخمر والمرأة وأنهار العالم البعيدة وفيها نبرة وجودية وميتافيزيقية بقدر ما كان يسمح به سني آنذاك. لذا وقع إهمالها نقدياً وهو إهمال ذو مغزى، ولعله يؤشر لأهميتها رغم هفواتها بصفتها خطوة أولى. أضف لذلك أن طلعتي وهيئتي الفيزيقية لحظتها (وربما حتى الآن) لم تكن لتقنع وسطاً متأسسا من بين ما هو متأسس عليه على (البوزات) ولعبة الأقنعة وتقديم الذات الشعرية الشخصية بثقة زائدة أكثر من اللزوم. هذا الجيل يخيف ويجب استبعاده إلى حين حتى أن شخصا حنونا مثل صموئيل شمعون يسعى لا واعيا في الغالب لطمسه. وعلينا القول لكي لا يساء فهمنا بأن مشروع شمعون في (بانيبال) وعلى الانترنيت هو مشروع يتوجب الاحتفاء به بصوت عال وتقديره رغم أنه يمنح لشعراء عرب من ذاك الجيل مساحات لا يمنحها لأحد من أقرانهم العراقيين. عقدة محيرة مزدوجة ومؤسفة، ضاربة الأطناب في خيارات شمعون. إنها عقدة لا تتحكم مثلاً بالسلوك الثقافي المتبادل لمن ينشر ويترجم لهم من اللبنانيين والأردنيين والعمانيين (بإفراط مثير للتساؤل بصوت حنون أيضا). فيما بينهم يقدّرون بعضهم على صفحاتهم الثقافية وفي الترويج لأعمالهم الشعرية كما يعرف الجميع. لهذا السبب قررت تغيير اسمي للنشر في موقعه مختارا اسم شاعرة لبنانية مجيدة!!.
*  في مجموعتك (الحجر الصقيلي) الصادرة في بيروت عام 2001، كتبت قصيدة نثر مُقفاة!، الأمر الذي أثار حفيظة بعض النقاد ومتذوقي الشعر في قصيدة النثر، خاصة وان اسمها قصيدة نثر، كيف وظفت القافية في هذه المجموعة النثرية، وماذا كنت تريد ان تقول لجمهور الشعر في (الحجر الصقيلي)؟.
-       أرى أن التحديث في الشعر العربي يقوم على مبدأ جوهري بسيط هو التجريب. ما عدا ذلك فلسوف نسقط في تقعيد نهائي للشعر مرة أخرى، أي كما فعل التراثيون (الوزن والقافية) وكما يزعم رواد الشعر الحر (نازك الملائكة مثلا) مثلما يزعم اليوم أنصار قصيدة النثر المحلية (مثل من وضع مؤخراً بضع قواعد نهائية لقصيدة النثر). على أن التجريب لا يعني بالضرورة اللعب المجاني كما يفهمه النقد السيّار. لذا فالقافية بحد ذاتها لا تعني شيئا سلبيا أو إيجابيا. إنها عنصر محايد، مثل الوزن تماماً. الاستخدام والرؤية الحديثة، التجريبية في حالتي، هو الأمر الأساسي. نعم اسمها (قصيدة نثر)، لكن هل علينا الشعور بالرعب من التسمية؟. هذه التسمية هي محض اقتراح لنمط جديد من الكتابة. أضف لذلك أن القافية قد استخدمت في النثر نفسه. كان سؤالي كيف يمكن استخدامها في النثر من دون الوقوع في التبسيط السجعي البائس. من كتب عن هذه التجربة سارع لإقامة الحد الشرعي عليها بالشبهة لأنه لم يقرأ حتى نصا واحدا من المجموعة، ولأنه لم يجعله موصولاً بأعمالي الأخرى. إن تفكيك تجربة الشاعر وعدم قراءتها بكليتها سيُوْصِل النقد إلى إحكام اعتباطية هي ما قرأناه في نقد تجربتي المتواضعة تلك.
*  كيف ترى المشهد الشعري العراقي الحالي خاصة بعد سقوط النظام العراقي عام 2003، الأمر الذي جعل من الهوة ما بين ادباء الداخل والخارج ان تتقلص كثيراً، فالجميع بدأوا ينشرون نتاجاتهم في الصحف ومواقع الانترنيت في ذات الوقت، هل ان الشعر العراقي تراجع عن المستوى المعروف به، أم أن هناك أسباباً أخرى آلت إلى تراجع قوة نصه بعض الشيء ؟.
_ أرى ان الهوة قد كبرت بالأحرى. ففي حين كانت صورة الشعر العراقي في الخارج مطلية بمسحة من التبجيل وكانت القليل من النصوص الواصلة للبلد تستنسخ ويجري تناقلها من يد لأخرى أي أنها كانت تقرأ بالفعل، كان هناك أمل أن تقع بعد عام 2003 قراءة معمقة لما لم يصل من نصوص ودواوين للبلد. وهذا الأمر لم يقع أبداً بسبب تسارع وتيرة الموت. إن قراءة الشعر تحتاج إلى استتباب مكاني ووجودي ولا تقع في سياقات متحركة يحكمها الموت اليومي. أضف لذلك أن هناك الكثير من الأدباء والشعراء اليوم ممن لا يحبذون ولا يريدون رؤية أقرانهم في الخارج حاضرين في الصورة الشعرية للبلد. وبذا فهم يكرسون قطيعة خلقتها أوضاع سابقة. ناهيك عن ان استخدام الانترنيت في العراق حاليا لا يحدث بأداء رفيع حيث سرقات الأفكار من المواقع والمقالات وحيث لا يسمح أبدا النيت بقراءة متأملة للنص الشعري. إنني أعلن هنا أنني ضد استخدام الانترنيت للأغراض الشعرية بشكل مطلق فقد تحول إلى تصفح سريع ومرآة للذات عبر الغوغل وتشكلت به أخوانيات وديوانيات وتنقصه أبسط المعايير النقدية في النشر وصار وكرا للشتامين والمتربصين والمختفين في ظلامه الدامس. وبالنسبة لغوغل فأنصح من يقرأ اسمه عليه بمناسبة هذه المقابلة أن يقرأ المقابلة كاملة وليس فقط ما يتعلق به. ثمة تراجع مهول للشعر العراقي في داخل البلد مقارنة بما كان عليه في السابق مع استثناءات يمكن أن نسميها بأسمائها، وهي ظاهرة عربية عن جدارة أيضا. في العراق ألاحظ اليوم خفة في كتابة الشعر وحذلقة في التنظير له ما بعدها من حذلقة، حتى ان كل امرئ صار يغني على هواه باسم حرية قصيدة النثر المحلية بطبعتها العراقية هذه المرة. هذه الأخيرة تصير موطنا لإخفاء الضعف من كل نوع. إن قدرة العراقي على الإيهام بالكلام عن مكامن الضعف في وعيه النقدي والشعري وبمعارف قليلة مستعارة من هنا وهناك مثيرة للحيرة والإعجاب. العراقيون حكائون بارعون اليوم وأظن أن ثلاثين سنة من حكم الحزب الواحد قد خلقت مشكلات أدبية وسايكولوجية واصطلاحية نحتاج لزمن طويل من اجل اكتشافها وإعادة معالجتها.
يعبّر الشعر الشعبي عن هذا المأزق بشكل واضح بينما المأزق نفسه موجود في الشعر الفصيح لكن بأغطية أكثر براعة. لقد تفوق البعض (بفهلوته) على من كنا نظنهم ملوك (الفهلوة) من أخوتنا العرب. في حين يظل الشاعر الحقيقي موجودا رغم ذلك في العراق بسبب توطن الظاهرة الشعرية واندغامها بالروح العراقي الفطري، العميق جدا.
*  قد يكون النقد العربي إستبعد قراءة العديد من التجارب المهمة ولأسباب معروفة، وتجربتك واحدة من هذه التجارب والتي يشهد لها شعراء ونقاد كبار، فالشاعر الكبير سعدي يوسف وفي كلمة له عام 2001 منح نفسه الحق وبصراحة أن ينطقك بمنطق أبي تمام حين قدره أحدهم حق قدره، ألا تعتقد أن شهادة من شاعر بحجم سعدي يوسف وآخرين وهم كثر، كفيلة لان تقول للنقاد، بأنهم انحرفوا عن مسار النقد الأدبي الحق وظلوا يتاجرون بأقلامهم في الكتابة عن هذا وذاك ؟.
-       هناك ثلاثة أسباب:
الأول: صعوبة تصنيف شعري في خانة من الخانات الواضحة للنقد العربي والعراقي القليل.
الثاني: اللحظة العراقية والعربية غير مؤاتية، فالقاعدة التي خلقها شاعر معروف مثل على أحمد سعيد (أدونيس) هي النفي المطلق للشعراء الآخرين وقد أوصلها لشعراء لاحقين صاروا محررين ثقافيين في الصحافة العربية اليومية والفصلية، فساروا على نهجه بالنفي وتبادل المنافع، وهؤلاء بدورهم عمّموا الظاهرة وآخر من دخل على الخط اللحظة هو الشاعر موسى حوامدة في جريدة (الدستور) الأردنية. لقد أراد ثلة من العراقيين الدخول في لعبة تبادل المنافع اللا أخلاقية السائدة فاصطنعوا مهرجانات ومنابر في كوبنهاكن وزوريخ وبرلين وغيرها لكنهم يكتشفون أن الأمر أكثر صعوبة مما تصوروا في عالمٍ من دهاة العرب والأعراب وأشباههم، وخاصة في غياب مؤسسات وطنية عراقية محلية تدافع عنهم ونقاد يكتبون عنهم.
السبب الثالث يطال فاعلية الثقافة والمثقفين العراقيين حيث ثمة رغبة دفينة منذ بضع سنوات بنفيهم في مجاهل النسيان بشتى الدعاوى والوسائل، وغالبيتها كانت حريرية وتبدو للوهلة الأولى من البراءة بمكان. الآن ثمة احتلال العراق الذي يشكل أكبر ذريعة لذلك. قبلها كانت هناك كما نعلم مبررات أخرى من طينة مختلفة. توجد اليوم مثلما بالأمس رغبة جامحة بإسكات أصواتهم وقصائدهم وصحافتهم وملتقياتهم الثقافية القليلة. تبدو المهمة صعبة للغاية. يوجد غيظ إذن ومحاولات متكررة لاستبعاد المنافسين الثقافيين العراقيين من الشعراء، بحيث أن كل مجموعة شعرية تصدر أو ندوة عراقية تنعقد تشكل عبئا ثقيلا على قلوب من لا قلوب لهم. نعرف ان ما نقوله ليس سوى وجه واحد من المسألة نود التركيز عليه. أخوة عرب كثر يتعاطون العراقيين، خبط عشواء، على أنهم من (دعاة الاحتلال) حتى لو لم تطأ أقدام بعضهم، مثلي، أرض بغداد منذ عام 1980 حتى اللحظة. لن تشفع الهجرات العراقية المستمرة، يتوجب إسكات أصواتهم بالتراضي أو بالعنف الرمزي وغيره. لا قيمة بالطبع لدى محررين ثقافيين وفلاسفة وأكاديميين وشعراء عرب لعذاب العراقيين المزدوج. العمى هو القاعدة. سنقول الآن للمرة الألف بأعلى الصوت بأننا ضد الاحتلال كليا وعليه الخروج من بلدنا. وهو أمر لن يشفع لهذا النفي المتأصل في قلوب أولئك، لأنهم لا يفكرون بأمر غير إدانة المثقف العراقي للاحتلال، خاصة وأن بلدانهم محتلة مداورة بشكل لا يقلّ ضراوة.
نفي يصير رديفا لحضور بعضهم الباهت البائس الزائل. ضمائر عربية تعرف ذلك حرفيا وقد صرّح لي به مؤخرا شاعر تونسي. منذ أيام كتبت لي صديقة عربية تعمل في صحافة بلد عربي آخر تقول أن المشرفين في الجريدة أخبروها جهارا أن لا تنشر شيئا أو القليل النادر للعراقيين، فقالت لهم (والكلام لها): ماذا أعمل إذا كان نصف المثقفين العرب منهم.
مشكلة النقد الأدبي هي جزء من إشكالية ثقافية عربية-عراقية أعمق مما يظهر شكلياً، وتمتد بجذورها لما قبل احتلال العراق. تظل الاتهامات للثقافة العراقية والمثقفين العراقيين اليوم وفي الحالات كلها من طبيعة واحدة كما نرى الآن، وإن تعددت أساليب القول واختلفت ردود الفعل: جل العراقيين متهمون بالتواطؤ، الحوزة والصحوة وما بينهما. ثمة ظن أن الثقافة العراقية كسيحة وإن المثقفين العراقيين مخصيون طالما أنهم من دون مؤسسات ثقافية قوية، وطالما يلعب بعضهم اللعبة مع من لا يحبون حضورهم، وطالما أنهم لا يقيمون وزنا لإبداع بعضهم. وإذا ما ظهرت مؤسسة قوية أو مشروع جاد وشعراء بارعون فإن النفي يغدو من الشدة بمكان. هذا النفي لا يطال العراقيين وحدهم إنما كل مبدع عربي نشيط يُظن أنه يشكل خطرا على حضور أولئك المحررين الثقافيين والصحفيين المنتفعين وحدهم من مهرجانات جرش ولوديف ولا منافع كبيرة ممكنة معهم. انظر مثلا كيف استقبل صدور الأعمال الشعرية الكاملة لشاعر سوري مثل نوري الجراح مقارنة بالضجيج الذي رافق صدور أعمال مماثلة.
*  (عقيق مصري) مجموعتك الصادرة عام 2005 والتي أهديتها إلى حروف العلة، كنت قد أشرت إلى أنها تتمة قصيدة نثر بقافية، هل هي تكملة لمشروعك في (الحجر الصقيلي)؟.
- (عقيق مصري) مفصل آخر أساسي في تطور شعري. وإذا كانت بعض قصائد (الحجر الصقيلي) قد كتب على عجل ونشر كذلك على عجل من أجل إعلان تجربة قصيدة النثر بقافية فإن (عقيق مصري) مجموعة متأنية. وبقدر رصانة قصائدها فإنها من العفوية بمكان. لقد كانت تنساب تحت قلمي انسياباً. عقيق مصري جوبهت بعقوق عراقي حيث لم يتناولها البتة صحفي أو ناقد أو متابع من بلدي بينما عالجها اللبناني محمد علي شمس الدين والمغربي محمود عبد الغني والفلسطيني راسم المدهون. وهنا أقدّم لهم امتناني البالغ. إنها تتمة بالفعل لمشروع (الحجر الصقيلي). عراقيا لم تقع متابعة التتمة ولا ما تـُتِمّ له.
* ننتقل من تجربتك الشعرية الى تجربتك في الترجمة ، فقد قمت بترجمة هنري مللر في (شيطان بالجنة) و(مشاطرة شكلية) لرينه شار وأشعار ريلكه الكاملة المكتوبة بالفرنسية وآخرين، هل تمكنت من الوصول إلى روح النص الاصلي بالفرنسية؟.
_ الترجمة هي تأويل في المقام الأول وليست نقلا للكلمات بكلمات أخرى. هي تمرين على الكتابة بلسان الآخر عبر قراءته، وهي استعادة له في لغة جديدة. لذا فأنا لست معنيا بالحرفية في الترجمة مثل الجميع لكنني لا أعتبر النص المترجم بالضرورة الوجه الآخر من السجادة. إنها إعادة كتابة بأصول اللغة الجديدة المنقول إليها لنص مكتوب في لغة أخرى كلماتها مشحونة بما نسميه عادة بالفرنسية بالـــ CONNOTATION وهو ما أترجمه بالمعاني المتداعية. فإنني اعرف أن هذه الكلمة مثلا تعني بلغتي ولغة النص الأصلي امرأة أو شجرة أو صحراء أو شاطئ، لكن لكل لغة ثم لكل قارئ فسحة من تلك المعاني المتداعية المجاورة للمعنى الأصلي، فإن ما تثيره كلمة صحراء في اللغة الفرنسية ليس بالضبط ما تثيره بلغة العرب. الشاطئ عند سكان الأنهار الصغيرة يثير معان ثانوية مختلفة عما هو الحال بالنسبة لسكان المدن المجاورة للمحيط الأطلسي. بالنسبة للمتلقين في اللغة الواحدة نفسها تبقى مشكلة المعاني المتداعية أساسية وحاسمة في عملية التلقي خاصة الشعري الأكثر رهافة لأنه الأكثر بحثا عن الالتباس في الالتباس نفسه. هكذا أجد أن الباحثين عن التطابقات الحرفية أو المثيرين مشكلات عن دقة الترجمة من عدمها يطرحون مشكلات بعيدة عن صلب موضوع الترجمة. الأمانة المُطالَب بها جد نسبية ومحكومة بالوعي اللغوي والذائقة.
* انصرفت في السنوات الاخيرة الى التحقيق في التراث الإسلامي، الأمر الذي أنجزت فيه عدة تحقيقات عن رحلة ابن فضلان والمقدسي وابن بُطلان، هل استهوتك فكرة هذه الرحلات وجعلتك تغور في اعماقها وتصدر الكتب المحققة والمعدة عنها؟.
ـ  ليس في التراث بشكل مطلق لكن في أدب الرحلات بشكل خاص. وقد وقع هذا الاهتمام لأسباب أهمها أنني اكتشفت أن أدب الرحلة ينطوي عرضاً على معطيات سوسيولوجية وتشكيلية في آن واحد بشأن الفنون الحرفية كالخزف والعمارة والرسم نفسه. تعرف أنني انصرفت كليا تقريبا للدراسة الأكاديمية، طيلة سنوات الثمانينيات وحتى منتصف التسعينيات، في حقل الفن التشكيلي في إطاره الاجتماعي، وقد وجدت في الرحلات مصادر مهمشة لقراءة الفن في منطقتنا.  بعد ذلك وجدت في الرحلات العربية الأحدث عهداً، منذ القرن السادس عشر، إلى أوربا مصادر جديدة صالحة لقراءة فكرة الحداثة، أي هذا اللقاء المدوي بين ثقافتين، ومرة أخرى كان الحقل التشكيلي دالة وإشارة للإشكالية. اهتمامي ينبع من هنا بالضبط.
* تهتم بالفن التشكيلي أيضاً بطريقة احترافية وتُدرّس تاريخ الفن وسيميائيات الصورة في إحدى الجامعات العربية. ما الذي يضيف هذا للشاعر فيك، ولماذا أيضاً لا تقع الإشارة عربيا وعراقيا إلى هذا المكون في تكوينك الشعري، فقد قرأت مؤخرا في مجلة عراقية لكريم في نقد المثقف العراقي إنه كائن كتبي ويحذر من اقتصار قراءات الأدباء على الأدب. هذا الحال ليس حالك أم حالك ولماذا يقع نسيانه؟
-       عليك أن تسأل الصديق العزيز كاتب المقال. لكن أظن بأن العناصر التشكيلية والتراثية قد عزز حكمة الشاعر وبصره كما بصيرته في روحي. يظن البعض أن الشاعر هو جاهل عن جدارة وعليه الابتعاد عن شجون المعرفة، لذا ترى كيف يراوح شعرهم في مكان ثابت أزلي. وعودا إلى سؤالك أقول بأنك تعرف خيرا مني أن العراقيين يقللون من شأن بعضهم أدبيا وثقافيا بطريقة تليق بمجتمعات قبلية ريفية كما شرحت ذلك مرة في سياق سبب شيوع فكرة (الجيل) العشرية في العراق. يظن البعض أن الإشارة لابن جلدته بإنصاف إنما هو تقليل من شأنه الثقافي ومكانته الأدبية الشخصية. ها هنا ينقص السخاء والوفاء. وهو ما لم أفعله طيلة حياتي وأشرت بسخاء وبالأسماء المحددة لأعمالهم وسأظل أفعل، وسيظلون ثابتين على موقف غير مريح.
* آخر مجاميعك الشعرية التي صدرت أواخر عام 2007 والتي هي بعنوان (عزلة الحمل في برجه)، جاءت بقصائد تحمل ثيمات فلسفية يرافقها التكثيف داخل الصورة الشعرية، وقلّ ما نجد هذا التكثيف في قصائد الآخرين، هل ان هذه المجموعة هي تجريب جديد في التكثيف الشعري والرؤية الفلسفية التي تتنقل داخل قصائد المجموعة؟.
-      المجموعة هي حوار بين رجل امرأة. كل مقطع مكتوب بلسان واحد من الطرفين في الرد على قرينه. عليك أن تمتلك قدرا من الشجاعة لكي تتخيّل وتكتب بلسان امرأة. من هذا الباب فهي التجريب الأصعب، التجريب الذي يطال الوجود البيولوجي والنفسي للجنسين. ولعلها من أكثر مجموعاتي نضجاً وقد جاوزت سن الخمسين. وفي ذلك كما أحسب دلالة: أن أتناول لعبة الوجود عبر تعبيراتها الصعبة في هذا السن. أترك للنقد قريبا أو بعد رحيلي اكتشاف ذلك. لكن غياب القراءة والترويج لشعر هش اليوم سيعقد مرة أخرى تأويل وتصنيف هذه المجموعة، لذا أنصح أصدقائي النقاد والصحفيين والمتابعين باستعادة روح القارئ فيهم والعودة إلى الإبداع الكبير الذي هو عملية القراءة.
* العديد من أدباء العراق الذين غادروه قسرياً، عادوا لزيارة أهلهم وأصدقائهم وأماكن طفولتهم، بينما أنت لم تعد حتى الآن، متى ستكون العودة إلى الوطن؟. قد يكون هذا السؤال يحمل أعباءً ويفتح جراحات قديمة.....؟
-       لم أعد منذ عام 1980 كما أسلفتُ إلا لزيارة أربيل البعيدة عن بغداد بمناسبة مهرجان ثقافي. وأقدّم هنا اعتذارا مريرا لوالدتي خاصة في مدينة الشعب. وأقول لها ان أخوتنا العرب سادرون بغيهم وانهم يتهمون من يزور أمه أو يعمل في صحيفة بلده بالخيانة العظمى وانني لا أريد أن أفطر على بصلة اتهام مثل هذا بعد صيام 29 عاما من الترحال، عاضا على جراحي لكن عاضا على أشياء أمهاتهم الحميمة.
هذا هو السبب الحقيقي الوحيد. قبل أيام وقع نقاش في البلد الذي أقيم فيه بين صديق عزيز وأحدهم ممن كان يود دعوتي لندوة علمية، بعد ذلك استدرك قائلا لصديقي: "لكنه من جماعة الاحتلال"!. لو كنا من القافزين مثل البهلوانات في الفضاء مثل فاروق يوسف لانفتحت لنا صفحات (النهار) و(الحياة) و(القدس العربي) لكتاباتنا كما تنفتح كلها وفي آن واحد لكتاباته وكما انفتحت له قبلها صفحات (الثورة) و(الجمهورية) و(ألف باء) وغيرها، غير أن شأننا أكثر تعقيداً من شأنه.
*  في ظل الانقسامات الكثيرة داخل الوسط الثقافي العراقي والتي ظهرت على السطح بعد الاحتلال الأمريكي للعراق وسقوط النظام العراقي المدوي، تبادل العراقيون الاتهامات، وخاضوا صراعات وتهم فيما بينهم حول المثقف التابع للاحتلال والمثقف غير التابع، ولعل الشاعر سعدي يوسف ومقالاته مثال في هذا الاتجاه، كيف تنظرون إلى هذا المشهد المزري في تاريخ الثقافة العراقية ومن المتسبب في هذه الانقسامات؟.
-    للتو قرأت مثلاً ما كتبه الشاعر نبيل ياسين عن الشاعر سعدي يوسف. مؤلم للغاية أن تصل الأمور إلى هذا المستوى من البوح، من العواء، من الكشف، من الأسى ومن الغضب. وفي رأيي تقع المشكلة العويصة في التالي: سعدي يوسف مفرط في مواقفه وإداناته، وهذه تجد بالأحرى آذانا صاغية عند أخوتنا العرب في حين ان العراقيين في البلاد يعرفون واقعهم ومصالحهم خير من أي أحد آخر. سعدي يوسف الذي هو أحد رموز الثقافة العراقية الكبيرة (لذا يقع نقاشه والحوار معه) يخسر شرائح أساسية جدا من العراقيين، فلا يتبق أمامه سوى أن يربح الخطاب العربي السائد، وربحه يقوم كما نرى على إفراط حماسي زائد عن الحد يستجيب لما هو شائع من أوهام وخطابات عربية. إذا كان سعدي رمزاً ثقافياً أو انه اُعتبر رمزا ثقافيا لوقت طويل مع كل ما يقال من هجاء عنيف ضده اليوم، فإن هناك خللا جسيما في أصول الثقافة العراقية منذ البدء. والنقطة الأخيرة جوهرية في ظني ويقيني. لكن انقسامات المشهد الثقافي والسياسي هي تعبير عن احتقان حقيقي قديم متراكم، فلا الاحتلال مقبول عراقيا (الاستعمار كما يقول سعدي الآن) ولا المفخخات الأصولية والقومانية بمقبولة البتة. لا مقارعة الاحتلال بالشكل الذي لا يصرّح به سعدي (لا نعرف بالمناسبة أي شكل يريد، وهي نقطة مهمة أخرى) ولا الرضا به بمقبولين في الشارع الثقافي والشعبي العراقي. هناك خلل في المشهد يعبّر سعدي يوسف عن بعض جوانبه الأكثر التباسا. ما لا يحسب أبو حيدر حسابه هو إرادة العراقيين ورغباتهم، وهو ما يفعله جل العرب اليوم. العراقيون لا يفقهون مصالحهم في هذا الخطاب. أما المثقفون والشعراء العراقيون، وعلى رأسهم أبرز الرموز الثقافية، فهم مشكلة عويصة أخرى، سواء لجهة نرجسيتهم الزائدة عن الحد وعبقرياتهم المتفتحة هنا وهناك وعدم متابعتهم لما يكتبون واحتقارهم غير المعلن لبني جلدتهم. هل أصاب غالبية الشعب العراقي تحت الاحتلال وَهْمٌ لا شفاء منه؟. هل ان غالبية الشعراء والمثقفين العراقيين قد فرَّطوا مرة واحدة وإلى الأبد بضمائرهم إزاء المحتل؟ هل يمتلك جلادو الأمس النبل والحقيقة اليوم في مقارعة المحتلين؟ هل ثمة مسكوت عنه من طينة لا يريد أحد حتى التلميح لها، طائفية أو عرقية؟ لن يجيب سعدي على هذه الأسئلة كما أعتقد لأنها لن تدعِّم رؤياه الراهنة، ومجده. لقد قلت سابقا في مقالة عن سعدي عنوانها "سعدي يوسف والدروس العشرة لنقاده" نشرتْ في عام 2005أن علينا النظر بجدية تامة لاحتلال البلد، هو موقفي كما هو موقف سعدي يوسف، لكن لم يدر بخلدي لدقيقة أن سعدي لن يقول كلمة واحدة عن قتل العراقيين المجاني، الأكثر قذارة مما شهدناه حتى اللحظة في جميع الصراعات.
لا أجد على الإطلاق حرجا أن ينشر المرء في صحافة بلده أو يعمل في جامعاته، دون اتهام البشر قاطبة خبط عشواء بقبول الاحتلال، عدا ذلك فالمطلوب من جميع سكان العراق مغادرته. إنني احترم للغاية الشاعر سعدي يوسف لكنني لا أجد فرقاً بالدرجة بين خطاباته وخطابات فاروق يوسف بهذا الشأن. وهو أمر يحيرني. ها نحن إذن نشهد اصطفافا جديداً في المشهد العراقي يقف فيه خصوم الأمس في جبهة واحدة، بينما الجبهة الأخرى من المثقفين والشعراء العراقيين الوطنيين ففي تشتت واضطراب لأن هناك ما لا يمكن الدفاع عنه أبداً، وهو ما يسمح للجبهة المتراصة الأولى المضي بإطلاق النيران الكثيف على قلوب الجميع، حتى ان التصريح بالوقوف في وجه الاحتلال والاستعمار لم يعد يجد أذنا صاغية ولا  يُقام له وزن: إنهم يريدون بالعنف الرمزي أن يتخذ الجميع مواقفهم نفسها بالضبط، مثلما يريد الظلاميون والسلفيون أن يتخذ الجميع بالعنف الحقيقي هذه المرة مواقفهم نفسها. وبالطبع فلأنني لا أقف مثلا مواقف فاروق عينها فهو لم يقرأ مادتي الطويلة (ضد الفكر التلفيقي والطائفي) المنشورة في أكثر من مكان ماضيا في كيل اتهاماته لجميع المثقفين العراقيين، مستثنيا سعدي يوسف فحسب بمقالة طويلة بليغة. أي موقف يريدون من شاعر مثلا من الاحتلال الأمريكي غير إدانته الصريحة الواضحة؟ هل يمتلك وسيلة أخرى؟ وإذا لم يتفق هذه الشاعر مع سياسة التفخيخ، وآلمه أن يرى أخوانه وشعبه يسقط عبثاً بسببها، فهل عليه مصادرة وعيه لصالح ذاك العنف الرمزي المكتوب بقلم فاروق يوسف البارع والموضوع في خدمة تقلباته المناخية، ولن أتحدث عن العنف الحقيقي فهو من الوضوح والبؤس بمكان. سأبقى في شأن فاروق يوسف بوصفه صورة بالمقلوب لمواقف سعدي يوسف عن الموضوع وأتساءل من جديد: أي مكان وحب جارف لديه للعراق لا يمتلكه الآخرون؟ في الجزائر العام الفائت أهديتُ لفاروق مجموعتي "جذور وأجنحة" المكتوبة كلها عن بلدي ولعله قرأها ولعله غض الطرف عنها لأنها لا تعزز ما يريد بثه. لقد اكتشفت بعد الجزائر دهاءه الخارج من مدرسةٍ خبرناها. كان يريد مني كتابي (العمارة الذكورية) ووجدت أن أهديه تلك المجموعة الشعرية لكي أوصل له رسالة تليق بالشعراء. لكنه يكرّر أيضاً ما يريد الكثير من أحبتنا العرب سماعه لذا ينفتح له اللحظة الباب الأول من سماء الصحافة. ما يزال أمامه اجتياز ستة أبواب أخرى.

الشاعر شاكر لعيبي في سطور  :
ولد في بغداد عام 1955 . أنهى دراسته في الجامعة المستنصرية سنة 1973-1077 . تخرج من المدرسة العليا للفنون البصرية في جنيف – سويسرا عام 1988 – 1992 . كما وكرس السنوات 1985 – 1999 لدراسة معمقة وأكاديمية لعلم الاجتماع ، خاصة علم الاجتماع الفني ، حاصلاً على درجة الماجستير من كلية العلوم الاجتماعية والسياسية في جامعة لوزان / سويسرا، ثم حاصلا على شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع الفني عام 2003 عن بحثه المكتوب بالفرنسية عن الفنانين والحرفيين في الفن الاسلامي "مقاربة سوسيولوجية عن الفنان مجهول الهوية". نشر العديد من الكتب والبحوث والدراسات في تاريخ الحضارة الاسلامية والفن باللغتين العربية والفرنسية .
يعمل حالياً أستاذاً في احدى الجامعات التونسية .

المجاميع الشعرية :
أصابع الحجر ، بغداد 1976
نص النصوص الثلاثة ، بيروت – دار العودة 1982
استغاثات ، دمشق 1984
بلاغة ، نص وعشرون تخطيطاً ، دار الفارزة جنيف 1988
ميتافيزيك ، دار الفارزة ، جنيف 1996
كيف ، دار المدى ، بيروت 1997
الحجر الصقيلي  ، دار الآن ، بيروت 2001
عقيق مصري ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت 2005
عزلة الحمل في برجه ، دار النهضة العربية ، بيروت 2007

ترجمات :
هنري ميللر : شيطان في الجنة ، دار منارات ، عمّان 1986 ، وطبعة ثانية عن دار أزمنة
إيليتس : له المجد ، دار مجلة ( كلمات ) المنامة /البحرين 1992
رينيه شار : مشاطرة شكلية ، منشورات المجمع الثقافي في ابو ظبي ، 1995
ريلكه : الاعمال الشعرية الكاملة عن الفرنسية.

تراث وتحقيق :
رحلة ابن فضلان 921 م ، تحرير وتقديم مع دراسة طويلة عن ابن فضلان ودارسيه، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت 2003
رحلة المقدسي ( أحسن التقاسيم في معرفة الاقاليم )
رحلة ابن بُطلان 1049 م
وله العديد من الكتب والدراسات في الفن الشعري نذكر منها "الشاعر الغريب في المكان الغريب"، دار المدى 2003 و"لغة الشعر، دراسة في الشعرية والشعراء ".
وله العديد من الدراسات في الحضارة الاسلامية ، كما وله العديد من المؤلفات باللغة الفرنسية .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حاوره: هادي الحسيني ـ أوسلو
شباط ـ 2008

 

 

 
 صفحة للطباعة صفحة للطباعة

 أرسل هذا الخبر لصديق أرسل هذا الخبر لصديق

 


  · البحث في اخبار كتب
· البحث في اخبار جميع الصفحات


أكثر خبر قراءة في كتب:
كامل كيلاني رائداً لأدب الطفل العربي