الشاعر والمترجم بدل رفو سفير الثقافة الكوردية بالمغرب

 


 


حسام السراي ... تطواف مكتوب مع الجواهري

 


 


الباحث والمحقق عبد الحميد الرشودي .. حكاية الحياة والادب والصداقة مع الرصافي

 


 


زهيـر بهـنام بردى.. قطرة اخرى من دمع الشمس

 


 
















 


 
 

 

قصص قصيرة: حسن عبد الرزاق... جارية الخليفة
 

 
 

    المكان الذي يواجهني ، له مدخل ثان يلي مدخله الاول بمسافة بضعة امتار . ذلك المدخل الاوطا   من نظيره ،  ضيق المساحة ،  قوسه العلوي متعرج عند الزاويتيين ، ومبني من طوب بنيّ اللون  بهت طلاؤه بفعل الزمن فبدا  لذاكرتي شبيه بواجهة  رواق اثري لبيوت احد  الخلفاء المترفين .
هذا المكان الذي اصفه لم اره اليوم فقط ، وانما رايته خلال حزمة ايام مستنسخة تجاوزت الالف راكمتها   جميعا فوق تخت مقهى نصف بائس ، غير اني لم احصد منه في فترات التحديق السابقة كالذي حصدته اليوم.


فبصورة مفاجئة ، وبعد ساعة من الاشتباك بين نظري وبينه ، ظهرت لي جارية اكد لي فستانها صارخ الزرقة ،انها  من ممتلكات احد سادتي الخلفاء ( لااعرف اسمه).  وانتصبت خلف الواجهة المقوسة ، وقد تجمع عليها كل  الربيع الذي كان يحث الخطى قادما الينا بعد شتاء جليدي ادرات من  برده بدفء خمرة  رخيصة الثمن والمستوى.
الجارية لم تكن وهما خلقه خيالي ذي الشطحات التي ليس في محلها  ، ووجودها لم تصنعه يد ساحر محتال لاتدرك الابصار حيله ، وانما كانت كائنا حقيقيا رغم ان نصفها العلوي كان هو الظاهر منها فقط.
وللحق اقول ان نظرات تلك الجارية  استهدفتني انا رغم بعد المسافة الفاصلة بيننا  ورغم ازدحام السوق والمقاهي الاخر بالرجال. اذ انها كلما اطرقت  لثانية واحدة عادت من جديد الى وجهي  ورشت عليه شيئا من ربيعها وزرقة ثوبها.
كانت تشاغلني انا فقط و تناديني بشفتيها وحركة راسها ، لذلك لم  يبق لي   سوى ان اغادر مقهاي  واجتاز زحام السيارات بحركات متعرجة واعبر الرصيف الملون بلون الغروب  واسير بمحاذاة العيون الفضولية ( ولااتزحلق بنظراتها )   ثم اقف قبالة  كيانها المخلوق من الورد واسلم عليها بالعينين.
-         مااسمك؟
سمعتها تسالني بصوت لذيذ على  كل رجولة  .. صوت الغانية التي اشتهت فحلا ، فاجبت :
- سيف.
- سيف؟!
- نعم.
- خسارة.
- لماذا؟
- اعتقدت  وانت الهاديء الوسيم ،  ان اسمك  مستوحى من عالم الحدائق وكائناتها الوديعة.
مازق سخيف وضعت نفسي فيه ، فانا لااحمل هذا الاسم  قط . لقد  اسماني ابي ( طيف ) وابي  رجل رومانسي بالفطرة  تزوج في زمن خال من الحروب ذوات  السيوف اوالبنادق فلم يختم على حياة اولاده باسمائها  ، لكنني عندما شطبت طاء الاطياف  مني ووضعت بدلا عنها سين السيوف فقد اردت من ذلك ان ابدو  فارسا  ،صلبا  ،حادا  ،تتوله برجولته  الغيد الحسان  ، وكيف لا اتصور ذلك  وامامي  جارية يحف بايامها  الفرسان الصلدين الذين تهتز لهم الارض.
-         غريب .
قلت لها ورائحة مكياجها تسحب انفي مرغما وتقربه من وجهها ، في حين تذهب عيني الى خلفها وتبصر صفا من باقات الورود المرتبة بذوق معاصر .
-         ماهو الغريب ؟
-         ان تبحثي عن اسم مائع ليس فيه رنين  الفحولة.
-         وهل الفحولة بالاسماء؟
-         اهلنا  يقولون هكذا.
-         هذه واحدة من تصوراتهم الساذجة.
-         عجيب !
-         وما العجب في هذا؟
-         وصفك لهم .
-         مابه
-          انه مطابق لوصفي  تماما.
انتعش  وجهانا بنشوة مشتركة ، وفاح عبير الزهور الماكثة خلفها وغمرنا معا . نحن الان متقاربان في الافكار ،وابتسامتها  المتالقة تارة والضائعة تارة اخرى تؤكد انجذابها  لي .  لذا فان اصطيادها والذهاب بها الى زاوية الدهليز شبه المعتم صار امرا  سهلا ،  فهو لايحتاج الا الى حوار قصير بالعيون ثم ايماءة بالراس كي تتبعني  فاسرق وجبة لذيذة  من غذاء مولاي الخليفة ذي الفم الذي لايشبع.
 ولكن قبل ذلك عليّ ان الغي خذلانها بسبب  اسمي ، فهي قد احست بالخسارة وربما يجعلها هذا الاحساس تمانع ، من يدري فللنساء مزاجات اصعب من مزاج الدنيا نفسها.
-         ايتها الحسناء دعيني اصدقك القول.
-         وبماذا كذبت حتى تصدقني؟ّ!
-         باسمي. فانا اسمي طيف .
-         طيف   !       
-         نعم.
-         يعني انت ايضا تحمل عيوبهم.
-         افهمي قصدي ارجوك.
-          صه ايها الكذاب.
اندفعت حمرة الانفعال من خلف المكياج ولونت وجهها ،  وتقطب الحاجبان ،  وضاقت العينان  وانخفض راسها بعد تحديق خاطف بوجهي   ، ثم انسحبت حالا   وتركتني مع وجه الخليفة الذي طل عقب انسحابها فورا  وهو يرتدي بزة حربية مرعبة  وخلفه حشد من الحاشية من ذوي الوجوه الضارية
-         من ؟ مولاي الخليفة؟!
-         اقبضوا على هذا الكلب.
-         سامحني سيدي.
كان في مثانتي بول شحيح  قبل اطلالته  وفي اذنيّ  يصدح  صوت الحسنا كسمفونية هادئة ناعمة اغرقتني في خدر بمنتهى الروعة انساني ومنذ ساعة كل الوجود الضاج . لكنني  ما ان لمحت كيانه وسمعت امره للجنود حتى  انتفخت  ببول غزير لااحتمل حبسه  ، واصابت قلبي هزة عنيفة كادت ان تمزقه . وتواردت الى سمعي اصوات وحشية    عنيفة لم اجد خلاصا منها سوى الاسراع الى دورة المياه الواقعة في الزاوية الساكنة والاحتماء بها.
هرعت الى دريئتي تلك  وانا انوء باثقال البول والخوف  والخيبة  ، واحكمت اقفال بابها الحديدي على كياني ،  وشرعت بالتخلص من اول ثقل ،و ثم من الثاني ، لكن الثالث ظل يتضخم في داخلي مع تضخم الندم الذي ماعدت اتحمله.
فقد كانت فرصة اقتناص تلك الغادة قريبة من يدي  ، قريبة جدا ،  لكنني اضعتها بسبب مثاليتي الغبية   ، واضعت معها فرصتي الوحيدة للانتقام من الخليفة الذي  تتطرز لياليه بشتى النساء بينما  لم تتطرز ليلة واحدة من ليالي سنيني الاربعين الا بممثلات السينما والتلفزيون فقط.
*
في  باب المكان الذي دخلته  وهو مقهى قديم ايضا ، سخنت اعصابي وطفحت نار الانفعال  على وجهي . فقد وجدت عاصفة من الضحك السوقي تنتظرني هناك ، ومعها صوت صاحب المقهى الاعجف الطويل الذي عوقت كفه احدى الحروب  وهو يهتف بمزاح اعاد لي الخوف ثانية  :
-         لقد اشتكت عليك الفتاة  وسوف ياتون وياخذونك.
وكانت يده تؤشر باتجاه مذيعة  التلفزيون التي عادت للظهور ثانية بعد انسحاب الخليفة ورجاله ، ولم يدر صاحبي ان مزاحه  السمج هذا اعاد الى راسي صوت الخليفة وهو يامر ( اقبضوا على هذا الكلب) ،  واطار من راسي نشوة الخمرة .. تلك النشوة  التي طارت بي من المقهى المقابل له وحطت بي في  مقهاه  ، عندما اقتنعت بعد فترة تحديق طويلة  سكرانة ،   بان  مذيعة التلفزيون  التي شاهدتها عم بعد لم تطل مكوثها في مكانها  هناك ، الا لمغازلتي  انا دون بقية الرجال.

 

 

 
 صفحة للطباعة صفحة للطباعة

 أرسل هذا الخبر لصديق أرسل هذا الخبر لصديق

 


  · البحث في اخبار قصص قصيرة
· البحث في اخبار جميع الصفحات


أكثر خبر قراءة في قصص قصيرة:
حميد الزاملي.. طوق الياسمين