الشاعر والمترجم بدل رفو سفير الثقافة الكوردية بالمغرب

 


 


حسام السراي ... تطواف مكتوب مع الجواهري

 


 


الباحث والمحقق عبد الحميد الرشودي .. حكاية الحياة والادب والصداقة مع الرصافي

 


 


زهيـر بهـنام بردى.. قطرة اخرى من دمع الشمس

 


 
















 


 
 

 

دراسات نقدية: جمال المظفر.. السرد الشعري والتوظيف الاسطوري في قصائد برهان شاوي
 

 
 

قصائد تسبح في دوائر الميثولوجيا وتعتمد الموروث الحكائي / الاسطوري المبني على صناعة البطل وفق رؤية قرائية قائمة على استنطاق المعاني التأويلية للنص من أجل خلخلة الحواس والخوض في الرموز الاسطورية  ..
صور شعرية ضاجة بالمعاني الدلالية ، غنية بالبلاغة  ، رغم لغة الترميز التي يتبناها الشاعر برهان شاوي في مجاميعه الشعرية ( مراثي الطوطم 1983 ، رماد المجوسي  1987،   ضوء اسود 1997 ، تراب الشمس  1998 ،  رماد القمر 1999 ،  شموع لسيدة سومرية 2001) ، يوظف الاسطورة بشكل كبير في قصائده :


فمن السماء هـوى..
دبُ مـن الكريستال..
إنه في الحديقـة يتجـول..؛
يناغـي الطيـور..
ويداعبُ الأسماك في البحيرة..!
إستيقظي..
فلقـد صـاح الديكُ ثلاثا..
والبقرات..
ذهبن الى المرعى..
أما العسس..
فلقد ألقوا بأسلحتهم.. / من مجموعة ( ضوء اسود )
لغة متينة يزاوج فيها مابين السردي والشعري ، الطقوسي والدرامي ، وفق خيال يفوق الزمن المحكي ويخلق جدلا حضاريا حول صناعة البطل في النص الاسطوري القائم على وحدتي الفناء والبقاء والبحث عن الخلود . هذه اللغة الضاجة بالرمز الاسطوري توهمنا بان النص محاولة لاستلاب العقل الواعي  من خلال الرمزي الديني ، تشعر من خلال قراءة النص انه قولا مأثورا يستنهض اليومي والاسطوري بضربات فنية مركزة :
كان...
ثمة شتاء أعمى ....
قاده الربيع الهرم ....
إلى صيف أخرس .../ من مجموعة ( ضوء اسود )
هذه اللغة التصويرية التي تبناها الشاعر في هذا النص الزاخر بالمعاني التأويلية يستلب المتلقي من الزمن الماضي ( كان ) الى الربيع الذي يمثل الحاله الوسطية مابين الماضي والحاضر وكأنه محطة تأمل لسيرة ما ، مسيرة حياة ، مسيرة بطل ، مسيرة شعب ، الشتاء اقتيد الى صيف أخرس ، نص باذخ يغوي للقراءة والتامل ..
فالشتاء في الاسطورة يمثل حالة الموت التي لاتدركها حواس الانسان ولذلك راح يبحث عن اشياء توصله الى الخلود كالاعشاب والتعاويذ والرقي وغيرها من الادوية السحرية التي تعيد الشباب ، ولذلك نرى ان هناك مرادفات قد تاتي مصادفة لتجعل من الخرافي واقعي ، تماما مثل عشبة الخلود التي عثر عليها كلكامش واكلها الثعبان بعد ان ذهب ليستحم ، وتغيير الثعبان لجلده اعطى فكرة الخلود واستعادة الحياة ، بينما بقي الانسان بعد تلك الحالة يصارع الموت ، لانه لو حصل على تلك العشبة لما مات ....
اما الربيع في الاسطورة فيمثل بدايات وجود الانسان على الارض والذي ولدت معه اساطير البطولة التي عرفت فيما بعد بالملاحم رغم ادراك الانسان القديم على ان هناك قوى مؤثرة في الوجود ورمز لها بألهة من صناعة العقل البشري ...
وينتهي الشاعر في ربيعه الهرم الى الصيف الاخرس المرادف للشمس واقترانه بها والتي تمثل قوة البطل وصلابته وبالتالي تقبل الانثى له ، اي اتحاد السماء بالارض على الصعيدين الروحي والجنسي ،  وصف جميل ، فالربيع مثل المبصر الذي يقود الاعمى ( الشتاء ) الى مكان اكثر امن وصلابة ( الصيف )....
اذن توظيفه في النص يعطي بعدا رمزيا دلاليا للنشاط الجنسي الذكوري واستعداد الاخر للوقوع في شرك الاغواء من خلال الجانب البطولي ،....
الشـمسُ برتقــالـة اللــه..؛
التي ألقــى بهـا في الأفـــق المجنــون..
والأكـــرادُ..
أطفــال من الجـــن..؛
بهـا هــامـوا وجنـوا..
أرأيـت الجــن جُنــت..؟؟؟
الشـمـسُ ليــلُ مـن ذهــب..؛
الشـمسُ نـوروز سـماوي..؛
بـه قـد حــلم الجــنُ../ من مجموعة ( اطفال الجن )
مسرحة النص ، اللغة الخطابية ، المسحة الدرامية ، عناصر يعتمدها الشاعر في تشييد نصه الشعري ، القائم على وحدتي الزمان والمكان  ورسم صور أو لقطات ممسرحة ( فلاشات ) يسحب معه القارئ الى منطقة اشتغاله الضاجة بالصور الشعرية الملحمية :
كان ....
ثمة صياد ....
ضاع ...
في زئبق المرآة .. / من مجموعة ( ضوء اسود )
الضياع هنا مجازي ، لم يضيع الصياد في المرآة وإنما في ( زئبق المرآة ) أي ماوراء البعد البؤري ، مساحة التشكيل البصري والرؤيوي ، عمق الدال والمدلول ..
كما ان حالة الخطاب الدال في العقل اللاواعي المنتج لنص متخيل يرسم لوحة اقرب ماتكون الى المدرسة السريالية ،  ماورائية النص تجعل القارئ يعيش لحظة صناعة النص / الفكرة :
وأذهب .....
إلى ماوراء الجبل
كي أوقظ الشمس الكسولة ...
قصائده ذات طابع درامي  طقوسي  يتعدد فيها الايقاع  تماما كما في الاناشيد الدينية التي كانت تؤدى على المسارح البابلية والسومرية أوترتل في المعابد ، تعتمد المحاكاة التي بدأت مع الفعاليات الاولى للانسان واكتشافه لتأثير الشعر الديني والطقوسي في بنيته وتفكيره :
اقيم الولائم للروح ...
ادعوا لها الزمن القاسي ...
والايام المنافقة ..
ادعوا لها الحماقات ....
والنزوات الصغيرة .../ قصيدة الولائم
درامية المشاهد  وتراجيدية النصوص والتعدد الايقاعي والصوتي في النصوص الشعرية للشاعر برهان شاوي يقربها من لغة  الملاحم والاساطير التي تتداخل مع الطقوس الدينية التي تعطي للقصائد جانب التقديس ، ولذلك كانت تلقى  في المعابد وتردد على المسارح ويحفظها  المتلقي  الذي يبحث عن ذاته في تلك النصوص.. كل تلك الصفات يعتمدها الشاعر في نصوصه ليقرب الذات الانوية من خلال النص / السرد الى ذات الاله :
في شوارع أوروك الضيقة ....
سمعت أقاويل الرجال ....
عنك ....
سمعت أقاويل كالافاعي ....
غير أن فهدي ....
أخمدها ....
بضربة مخلب واحدة ... / من مجموعة ( ضوء اسود )
الاساطير تعطي الاجابة المباشرة للاسئلة الازلية القاطنة في ذهن الانسان ، كيف ، اين ، لماذا ، واسئلة شتى عن مجاهل الكون والحياة والموت والخلود  ويكون القاسم المشترك بين الاساطير هو الاتصال المباشر مع المتلقي من خلال السرد المعرفي المبني على صناعة البطل او الشخصية الاسطورية ، صراع الانسان مع القوى الطبيعية او مع الالهة ..
فمثلما كانت الشمس تمثل رمز الخلود لانها الشئ الذي لاينتهي وكرمز قريب من النار فقد لجا الانسان اليها كجانب طقسي واعتبرت في تلك المجتمعات مادة الخلود ....
إشـهدي أيتهـا النـارُ..
جـاءنـا الغــزاةُ..
جيشـا من الألــم..!
قيـل..
جـاءنـا الـوبـاءُ..!!
مـرمـرُ الجبــال أستغاث بنـا..
والياقـوتُ بكـى..
 قيـل أقبـل المـوتُ..
وقيــل مــات..
تحـت ظـلال أشـجارنا الباسـقات..!/ من مجموعة ( رماد المجوسي )
هذا السرد الشعري ينمي الجانب الروحي لابتكار مرادفات اسطورية اخرى بصناعة ذهنية من اجل انتشال النفس البشرية من حالات اليأس والانكسار ، خصوصا مع ظهور قوى شديدة الظلم ، حينها يلجا الانسان الى الاسطورة او الخرافة من اجل شحذ الهمم ، ولذلك نجد ان الشعوب المضطهدة دائما تنتظر المخلص الذي تتعدد تسمياته في مختلف الديانات او حتى لدى الشعوب التي لاتؤمن بالاديان ، صناعة البطل الاسطوري حتى لو كان في الخيال :
في تلك الساعة من اليأس ....
يطرق بابي ...
عراف بلا نبوءات
يفتح لي قميصه
الأزرق ...
فأرى في صدره ...
عين قط مطبقة الجفن ...
أفتحها ...
فأرى صحراء ...
يغمرها الليل
وثعالب تنظر إلي ...
بعيون فسفورية ...
وأرى سمكة ذهبية ...
تنط فوق الرمل .... / من مجموعة ( ضوء اسود )
لغة انيقة وشفافة تلك التي يستخدمها الشاعر في نصوصه ، تشكيل النص من خلال التلاعب باللغة وفق مساحات يرسمها  فضاء المخيلة ، فلكل شاعر لغة ومفردات تشكل مساحة النص  ، ولكن الشاعر الحريف الذي يتقن التلاعب باللغة واكتشاف معان ضاجة بالصور الشعرية :
الكآبة
نسر من الثلج
يقبض على قلبي بمخالب باردة / مجموعة تراب الشمس
المباشرة واللامباشرة  تؤكد قدرة من يملك ناصية الابداع وجعل المتلقي يعيش في فضائه  المتخم بالصور والوقوف امام جزالة المفردات وحيويتها ، لغة مموسقة ، متناسقة ، التقطيع الفونولوجي مدروس بدقة ، حتى التوزيع للمساحات البيضاء ينعش مساحة القراءة:
زمن يسيل على الأكف
وآخر ....
يبكي مع الصلبان ...
في أعلى الكنائس ..... / قصيدة الساعات
الخرافة جزء من تاريخ الشعوب التي تعيش الاضطهاد الفكري والسياسي ، فعندما تضطهد تلجأ الى الخرافات ، مثلما يلجأ المريض اليائس الى العلاج  الشعبي او التعاويذ او العلاج بالرقي عندما يقف الطب عاجزا عن علاج الكثير من الحالات المستعصية .
وكون الشاعر متخصص في الفن السينمائي وكتابة السيناريو فأن نصوصه تأخذ منحى كتابة السيناريو ، كل مقطع من قصائده عبارة عن مشهد درامي ، له زمانه ومكانه الخاص وبعده البؤري :
فجأة ...
يهبط من السماء ....
نسر أقرع
ينقض على سبت النور الذي ...
أنطفئ ...
فترتعش الأبواب ...
ويغمض القط ....
عينه الصفراء
ويرتبك العراف ...
صديقي
فينتزع  العين من الصدر ....
ويلقي بها.....
من النافذة .... / من مجموعة ( ضوء اسود )
وفي نص جميل استوقفني كثيرا ، وجعلني اتأمل لوحات سلفادور دالي وسرياليته الغريبة التي فتحت افاقا واسعة في الفن الحديث ، لم يستخدم دالي المباشرة ، ولم يدخل قوقعة الواقعية او الانطباعية ، أدار وجهه لكل المدارس وأسس له مدرسة خاصة تنم عن إبداع حقيقي ، في أن تؤسس وتصنع لاأن تقلد ، الكثير من الرسامين يرسمون لوحات طبيعية متشابهة في المضمون  وإن اختلفت في الالوان أو المساحات أو الشخوص ، ولكن الابداع ان تكتشف وتؤثر في المتلقي ، السريالية في الشعر ، استنباط آخر للغة المموسقة الضاجة بالمعاني التأويلية:
أرى ....
ساعات على قدمين
تهرول تائهة ....
في العتمة ....
وفي نص أقرب مايكون  الى الحكمة ، أو إلى البناء الاسطوري الذي يستنهض المقدس الديني ، يؤدلج الشاعر يوما له مغزاه في الادب الروماني وهو ( الاربعاء )  والذي يعني يوم كوكب عطارد ( اله التجارة والفصاحة والمكر واللصوصية )  ، مشبها الشاعر هذا اليوم بقائد عجوز يعيش على دكة الذكريات وماخلفته الايام من بقايا بطولات هرمة :
وهاهو الأربعاء ....
قائد عجوز ....
محمل بالاوسمة
للمنفى تأثير واضح في نفسية الشاعر ، حيث يعكس المنفى صورته على الذات الباثة ، المنكسرة ، المتشظية بين ( الضياع والحرمان )  ، حينما يكورك المنفى داخل بؤرته الضيقة ، وكما قلت في مرات عديدة ان صناعة المنفى مشكلة كبيرة ، بين ان تفصل منفى على مقاساتك وضمن رؤاك وتصوراتك ، وبين ان يشكلك المنفى ويرسم الصورة الضبابية للمستقبل .
صناعة نص متقن ولغة جميلة  تلك التي تبناها الشاعر بحكمة بالغة في هذا المقطع (أحزانكم لوثتها المنافي ) ، التلويث ليس من قبل المنفي للمكان كما هو متعارف عليه ، وانما المنافي هي من يلوث المنفي :
احزانكم ...
ستدور معي في المنافي ....
احزانكم ...
ستواجه مثلي المخاوف عند الحدود .....
لتعرف مثلي ....
ضجيج المحطات
والامتحان امام الحجر ...
احزانكم ...
لوثتها المنافي ..... / قصيدة ( تنويع غير عروضي .... عن الالم )/ مجموعة رماد المجوسي .
الغربة والتغريب متلازمتان في اشعاره ، ينعكسان على اغلب قصائده ، المنفى الذي يفرض نفسه على الذات ، حتى لو كان في داخل المكان ، قد تكون منفيا وأنت في داخل وطنك ، حينما يشعر الانسان انه تائه في البرية ليس هناك من بوصلة شعرية لاهداء الشاعر الى الضفة الامنة ، غير ان يقضم زهور الكآبة ، عشبة الخلود كتلك التي كان يبحث عنها كلكامش :
وبرغم شيخوختي المبكرة ....
فأنا مثل جواد ...
سأركض في البرية لأقضم زهور الكآبة ...
فالرحلة لازالت عند تخوم الغيم ....
وحمار قصيدتي الذهبي ...
يرتد ..
عن حكمة النهيق !!/ ( قصيدة الحمار الذهبي ) / مجموعة رماد المجوسي
الترميز في الشعر يعطي لغة مشوقة ويفتح مجالا اوسع للتاويل ، عندما تكون اللغة غير مباشرة ، مسرفة في السرد ، تستفز القارئ وتجعله يعيش لحظة القراءة الانية لا الاستغراق مع النص أو إعادة قراءة القصيدة لاكثر من مرة من اجل اكتشاف صور أخرى فيه ، فلغة الصلب هي المظلومية الابدية والانتظار للمنقذ الذي تتغير تسميته لدى الشعوب المظلومة والمضطهدة :
انا المصلوب الابدي ....
لاأصعر خدي للصفعات .../ قصيدة يهوذا
استحضار الاسطورة في الشعر والقصة والرواية  يعني استحضارا للتاريخ  والميثولوجيا والخرافة  والسحر ،
وهي الملاذ الأول للإنسان للانتصار على خيباته ولتخطي فواجعه . وهي الرؤية التخيلية ، الحلمية الكامنة في ذات الشاعر ..  هي استحضار للبطولة الغائبة ، واستدعاء  البطل الاسطوري والتاريخي يكون بمثابة المخلص  والمنقذ تماما مثلما ينتظر النصارى ظهور المسيح ليخلصهم من الاضطهاد وكذلك في الحركة المهداوية التي ترى في ظهور المهدي بأنه المخلص والمنقذ لهم من المظلومية :
لكنني
اعرف انك غائبة
وان الصبر فارس عجوز
يقطع الصحراء على ظهر ماموث اعرج
يجر خلفه عربة حجرية مليئة بالاسمال
والخوذ المثقوبة ...
وفي نص اخر يوزع الشاعر الفكرة القاطنة في وعيه على مساحة نظر المتلقي في رؤيا حلمية جميلة توصله الى تلمس الخيال ، موت النجوم في الممرات القصيرة ، فالممرات هي الزمن الافتراضي الذي يعيشه الانسان :
مالهذا الجميل ..
يشاغل عينيه عنا ....
ويرشق هذا البلاط بنظرته الصارمة ...
المجوس اقبلوا من بلاد بعيدة ...
غير ان النجوم تموت هنا ....
في سماء الممر القصير .../ قصيدة (رماد المجوسي )
المثقفون اول من يعاني من ظلم الانظمة وخصوصا الاستبدادية منها ، تنشأ هناك فجوة مابين الاثنين ، وهناك من يستغل هذه الفجوة لزيادة منطقة التقاطع مابين السياسي والمثقف ، وهذه الحالة تمتد لفترات طويلة ، يلجأ فيها المثقفون الى الهجرة واختيار المنافي هربا من الاضطهاد السياسي ومن اجل البوح عما يدور في الداخل من رفض للسلطة وتحاشي البطش الذي يمارسه السلطويون بالمعارضين لهم حتى لو كانت تلك المعارضة في الرأي .. ولذلك نشأت حركة ادبية شعرية اطلق عليها ( ادب المنفى ) وهو خطاب شعري ثوري معارض متحرر من كل اشكال القيود التي يشكلها ادب السلطة ، ولذلك كان هذا النوع من الادب يحظى باحترام ومتابعة كل المتذوقين ، بل العامة وقد يحفظونه عن ظهر قلب لقوته في كشف فساد الانظمة وبطشها ومحاكاته لكل مكونات الشعب ..
اقيم الولائم للروح ...
وفي طريقي اليها ...
يخنقني التكرار....
واليأس المضئ .... / قصيدة الولائم ( من رماد المجوسي)
وفي مكان اخر من نفس القصيدة يرد نفس المصطلح حول الاضطهاد الفكري والسياسي :
وحـدي..
أحمـل ُ القـرابين لمعـابد بيضـاء فوق الغيـوم..
آه..
ما أكـثر الطـرق الى الهـاوية..
ما أقصـر الدروب الى اللاشـيء..!!!
أيهـا البـواب ُ..
ايهـا البـواب ُ..
يارجـل المـزلاج الـرهيـب..  /من مجموعة ( رماد القمر)
الشاعر يعمل على وحدة النص عضويا وموضوعيا من خلال اللغة المكونة للنص وصلتها بالعقل الواعي فيكون النقل الكامل عبر شاشة يحدد ابعادها الشاعر لا بفرشاة الالوان  وانما بالمفردات القريبة من ذهنية المتلقي :
ياأنت.....
ياإبتسامة البراكين.....
ياقلقي ....
وياإيماءة الله .....
إلي ..... / من مجموعة ( ضوء اسود )
تمرد الشاعر على الواقع وجعله الشعر أداة للخلق بواسطة الخيال ، ان تصنع واقعا ملموسا محسوسا من خيال او نقطة بؤرية في مؤخرة الدماغ ، رسم الصورة بطريقة شعرية ، ومنحها الالوان المكونة للنص:
جـسـد مثـقـل بالنجـوم ..؛
غـابـة مـن نعـاس لـذيـذ..
إنهـا رعـشـة لا تــدوم..
هـل أنا البـرقُ مـؤتـلقـا..
وأنت..
إنكســار الغيــوم..؟؟ من مجموعة ( مراثي الطوطم )
استخدام الشاعر للرموز ألاسطورية وسيلة  لربط الأحداث اليومية الاعتيادية بعناصر تاريخية في محاولة  فنية لمزج الواقعي بالخرافي والخيالي بالمحسوس ، وتفعيل التاريخي زمانيا ومكانيا مع الزمن الحداثي بصيغة متطورة  ، ولوج المقدس ( السماوي )  الذي يركن الى الماضي البعيد  ودمجه مع  الواقع اليومي الملموس  ، وصناعة مادة شعرية سردية  يمكن للمتلقي أن يتقلبها على ماهي عليه :
ذات فجـر بعيـد..
رافــق البحــرُ أحـزانـه في سـكون..؛
غـرق البحــر فـي البحــر..
وأمتزجــا..؛
سـقطت قـطــرة مـن نـدى..
فـوق هـدب الغصـون..!/ من مجموعة ( مراثي الطوطم )
التعارض الايديولولجي مع الانظمة التسلطية او التقاطع مع ثقافاتها وسياساتها يوقع المعارض في اشكاليات قد يراها البعض مجازفة ، في ان تعارض وتسير بالضد من القوة المؤثرة التي لها اليد الطولى في كل شئ ابتداءا من الثقافة والسياسة وانتهاءا بالعصا الغليظة التي يلوحون بها لكل ماهو مخالف للقوانين السلطوية ، طريقين امام المثقف المعارض ، السجن او المنفى وكلاهما خيارين صعبين لمن يلجهما ، وهنا يوضح الشاعر هذا الموقف في نص باذخ اقرب مايكون الى الواقع :
ايتهـا الحكمــة الشـاردة..
مـن أسـاء الى الجبــال..؟؟
مـن لـم يـؤد طقـوس المطــر..؟؟؟
هـذي دروب تـؤدي بالمسافر إلى المنفـى.. / من مجموعة ( رماد المجوسي )
استدعاء الاسطوري والميثولوجي وسيلة للنهوض بالنفس البشرية من حالة السبات الى استنهاض الهمم وشحذها وجعلها في حالة تحد مباشر مع الاخر والذي يمثل مصدر القوة ، اية قوة كانت ، سواء كانت فكرية او سياسية او عضلية ، استدعاء الاناشيد الدينية والادعية والصلوات والتقرب من ذات الاله كلها وسائل للنهوض بالنفس المنكسرة اليائسة امام بطش الاخر :
إستيقظي أيتهـا الأناشيدُ الغافيـة  ُ..
وأقبـلي أيتهــا الكلمــاتُ السريـة ُ..
لقـد غمـــرني السـيلُ..
وبلغتُ قـعــر الميــاه ... / من مجموعة ( تراب الشمس )
اللجوء إلى فكرة (المونتاج ) او البناء اللغوي للسينما  والتي هي عملية  قص واعادة ترتيب محكم لعدة وحدات سينمائية للوصول الى مشهد محكم وفاعل ومؤثر ومتين يخلو من الترهل اوالاسفاف في السرد او عبثية المشاهد :
جنودي تفرقوا هلعا
وتماثيل الحديقة لاذت بالمخابئ ..
الشاعر الذي رسم صورة للواقع الحالي في زمن يسبق هذا التاريخ من خلال قصيدة تترجم مابعد التغيير ، صورة الوطن الذي رسمه في الاحلام ، هذا الوطن الذي كان يسيره الساسة  بالضد من روحية وامنيات الشاعر ، ويصحو من ذلك الحلم / النص فيتمنى لو لم يصحو منه فيراه على هيئته ولم تتغير الصورة المعتمة التي كانت مرسومة في المخيلة :
ورسمتُ في الأحلام لـي وطنـــا
فجـرتُ فيه البحـر.. فأنطلقـــا
فعـــدتُ فـي أنحـائـــه مـرحـــا
ومشيتُ فـي أرجـائـه قـلـقــــا
عمــدتـهُ بالنـــار.. أحـرقنـــي
ورششتهُ بالماء؛ فأحترقــا
أسريتُ فيه الشمس فأنطفأت
ومنحتـهُ رعـدا فما برقــا
فـغـفوتُ..
والنيران في جسدي
وصـحــوتُ..
ليت الحـلم ما صدقـا
قصائد الشاعر برهان شاوي جميعا  تعيدنا الى التاريخ العميق ، زمانيا  ومكانيا ، عبر فضاء اسطوري بمزاوجة جميلة مع الواقعي اليومي ، ويؤسس لمشاريع سيناريوهات حية في ذهن اخراجي مبدع  كونه متخصص في فن السينما وله نفس روائي يكشف عمق رؤياه لفضائها في سعة السرد المتقن الغير متخم بالاسفاف ، وانما لغة شعرية  سليمة متينه تنم عن خيال واسع وخزين معرفي بالتاريخي والمعاصر ..

 

 

 
 صفحة للطباعة صفحة للطباعة

 أرسل هذا الخبر لصديق أرسل هذا الخبر لصديق

 


  · البحث في اخبار دراسات نقدية
· البحث في اخبار جميع الصفحات


أكثر خبر قراءة في دراسات نقدية:
د. سيّار الجَميل.. عُمَر الطالبْ.. شخصّية غير عادية ! القسم الثاني