الشاعر والمترجم بدل رفو سفير الثقافة الكوردية بالمغرب

 


 


حسام السراي ... تطواف مكتوب مع الجواهري

 


 


الباحث والمحقق عبد الحميد الرشودي .. حكاية الحياة والادب والصداقة مع الرصافي

 


 


زهيـر بهـنام بردى.. قطرة اخرى من دمع الشمس

 


 
















 


 
 

 

مختارات عربية: خذيني الى موتي للقاص الفلسطيني زياد خداش
 

 
 

على أريكة الشرفة تتمدد المرأة سعيدة وهادئة. الشاب واقف على حافة الدرجة الأولى من درج العمارة لاهثًا وخائفًا. الحارة غارقة في الصمت. الزوج هناك غارقاً في طحينهِ. الطفل في السرير. الأولاد في المدارس. ولاشيء أجمل من شرفه آمنة. وصباح ندى. ورواية جديدة قادمة. الأفق أمام المرأة مخطوف بالرجال وحبال الغسيل والعمارات. هذه الزيارة لا تشبه الزيارات الأخرى. لا أغراض بيتيه مع الشاب يوصلها من عمه إلى بيته و ولا روايات جديدة. ثمة دافع غامض لا يعرفه هذا الشاب يقوده إلى هذه المرأة. في هذا الصبا ح الندى والصمت الغارق في الحارة..

ماذا سيقول لها؟
لماذا يجيء الآن دون روايات أو أغراض؟
لماذا هو خائف؟
تزحف قدمه لدرجة أخرى. وتنحني المرأة المتمددة على جانبها الآخر. ويسبح عمه في العرق والطحين. يقف عمه الآن على حافة اللهب. لا يجرؤ كما يفعل هو أن يمد يده أحيانا رأسه إلى داخل لهب الفرن. كم يحلو له ذلك. وكم يستغرب عمه منه هذا الجنون.
إلا تخاف أن يحرق رأسك اللهب يا ابن أخي؟
يبتسم ويشعل سيجارة ولا يجيب
الدرجة الثالثة. والمرأة ترضع وليدها الآن. وتبتسم بهناء كبير وهى تحنى رأسها لترقب فم وليدها الغارق في حليبها. يا له من مشهد بديع ! أي إحساس غريب يأتي للمرأة على مهل وهى تراقب مشهد الرضاعة من فوق . ثمة حياه كاملة باقتراحاتها و مخاوفها وسعاداتها تتكون الآن بفضلها. لم تعرف يوما وظائف أخرى لنهديها سوى الإرضاع . حتى أنفاس زوجها الحارقة على نهديها لم تكن تقنعها بدلالات أخرى أو أبعاد جديدة . وحين كان زوجها يشبه نهديها برغيفين غب غير جاهزين أبدا للأكل . كانت تضحك بصوت عال. ودون أدنى شعور بإثارة ما كان زوجها يعيد تكوير الرغيفين بيديه وأحيانًا بلسانه حينها كانت تراودها فكره مضحكة : زوجي يتعامل معي كأني عجينة !!!
فتستسلم له وذهنها شارد في مشهد رضاعة طفلها البديع
الدرجة الرابعة وتتثاءب المرأة السعيدة وتفكر بإغفاءة . فقد نام وليدها ولا روايات جديدة…
كيف سيفتح معها الموضوع؟ هل جن هذا الشاب حتى يطلب من امرأة عمه أن ………….
يا ألهي !! يجب أن أعود
تهبط القدم الخائفة إلى الدرجة الأولى. إلا أنها سرعان ما تقفز نحو التاسعة ' النهدان نائمان أو غافيان. تكفى حركة قطة صغيرة حتى يفيقا. طرقات خافتة على الباب. وينهض النهدان يتثاءبان. كسولان وسكرانان بكحول الضجر و رطوبة الصمت
بيدين فارغتين وعيون مليئة برغبة غير مفهومة يدخل الشاب بيت عمه. المرأة تبتسم وترحب به. وتجلسه في الشرفة هناك أمام افقها المحجوز وتذهب لتحضر الشاي. بينما يغرق هو في أكاذيبه
لدى رواية جديدة لك يا امرأة عمى لكنى نسيت أن أحضرها
لا باس تحضرها في المرة القادمة
شعر برغبة مفاجئة في أن يحضنها ويهمس على صدرها بـ آه يا أمي لكن وحش الرضاعة المحرمة انتفض في عروقه وراح يفكر بطريقه يقدم فيها طلبه المرعب
طالما ذكرني الناس بأني ابنك بالرضاعة
نعم يا أبني أنا أتذكر ذلك اليوم جيدا، يوم قضت المرحومة أمك بقصف مدفعي عنيف. لم تكف عن البكاء طيلة يومين كأنك كنت تعرف، ما زلت أتذكر كيف حملتك في حضني فهجمت على نهدي كالمجنون. كنت اسمع لهاثك جيدا. كنت قاسيا لأنك كنت جائعا.
وجد سياق الكلام يساعده في مهمته
لم يكن بقراري
كم أود الآن أن أشرب باختياري
ارتعبت المرأة حين نظرت إلى وجه الشاب. كان جادا. لم يكن يمزح
أحست بدوار غريب يلفها. نهضت وهى تغمغم
بالتأكيد أنت تمزح. زوجي سيحضر بعد ساعة
أمي أرجوك
أمك ؟
نعم أمي
ألم ترضعيني صغيرًا
نعم ولكن !!
وما الفرق الآن نفس الشفاه، نفس الجوع. نفس القسوة
ما زلت أبكى وما زالت أمي ميتة
وأنت ما زلت موجودة بنهديكِ الهائلين. وبراءتك المدهشة. كانت واقفة أمامه كأنها تتهيأ لاستسلام أو انقضاض. وكان هو جالساً ينظر إلى نهديها وهما يلهثان تحت ستيانتها الخفيفة الأرجوانية. و راح يلعب بلغه علمته إياها الروايات
كم أحن إلى موطن شفتي الأول. والى هضاب لساني الضائعة كم كم!
انهارت المرأة بين يديه
وصرخت آه يا ابني
انفجر لهاث العالم في جوفه وراح يمزق قميص نومها الأزرق كأنه يمزق وجه قائد الدبابة التي قصفت نهد أمه.
يا ألهى ماذا تفعل أيها المجنون؟
نفس الشفاه. نفس الجوع. نفس الوطن يا أمي
اخرج من بيتي
لملمت المرأة أشيائها المبعثرة ونهضت كعاصفة
اخرججججججججججججججججججججججججج
أيها الوقح
طاردته في غرف بيتها الأربع بصحون مطبخها وأحذيتها وزجاجات عطورها
ودفعته بيدها عن درج العمارة وعادت ألي شرفتها تنظر إلى افقها المسدود وهى تبكى بصمت
في الليل وزوجها نائم . والطفل في سريره . والصمت غارق في الحارة. واللهب خامد بالفرن. مشت باتجاه الباب فتحته. هبطت الدرج المعتم. كان هناك ينتظر
متكوراً وحده هائما على برد أقدامه بلا أم بلا بيت. أمسكت رأسه وقربته من نهدها الأيمن وقبل أن يعيد ارتشاف قطراته القديمة. سمعته يهذي
اللهب اللهب خذيني ألي وطني اللهب خذيني إلى موتى
نهضت فزعه على صوت بكاء طفلها. وراحت لترضعه هناك في غرفته وغرقت مرة أخرى في نضارة مشهد الرضاعة وغموض سحره.
نام الطفل. كل شيء نام. البيت والحارة والعالم. فتحت باب الشقة، وهبطت
خرجت إلى الشارع. وحدها في الشارع. لا طائرات في السماء. ولا نجوم، عمّ تبحث هذه المرأة المجنونة في هذا الليل الأسود الطويل ؟!
تذكرت المرأة أن كل شيء ينام إلا اللهب وحده يبقى صاحياً وعارفًا
بنهدين هائلين وحرّين مخبأين بخبث وإهمال مقصود تحت قميص نوم ازرق بلا أزرار تمشى المرأة الغريبة باتجاه مكان ما

 

 

 
 صفحة للطباعة صفحة للطباعة

 أرسل هذا الخبر لصديق أرسل هذا الخبر لصديق

 


  · البحث في اخبار مختارات عربية
· البحث في اخبار جميع الصفحات


أكثر خبر قراءة في مختارات عربية:
التراجيديا الانسانية - شعر نجيب سرور