حميد الزاملي.. طوق الياسمين
التاريخ: Sunday, July 27
الموضوع: قصص قصيرة


: لقد تأخرت الفراشة ، ربما ضاع منها أحد الأطواق .
: مابك آيها الدبور ، لم أرك متشائما من قبل ، قال الياسمين ذلك وتوسط اللوتس والجوري والصبير والشبوي والنرجس ، قبالة النخلة المزدحمة بالأعشاش ، رغم الخطوات المتربصة باللحظة والأقتناص ، وراح يتأمل .
لم تبال الساقية القريبة التي صارت قنطرتها مكانا لآتون العشق والأشجان ، وتمتمت ، إنهما يستحقان العناء ، فهما أجمل عاشقين ،
ياترى أين هما الآن ؟


إقتربت الفراشة من الجسر حتى كادت تلامس كتف الحارس الذي تجاوز البوابة الرابعة ، بخطواته الواثقة التي توحي بالدقة والأنضباط . صار قريبا من نهاية الشارع الأسفلتي المندثر كما الشارعان الآخران في ألسنة الطرق الترابية المؤدية الى القرى القريبة ، ثم عاد مخترقا الدكات الفارغة ، ورمى جسده المثقل بالترقب على إحداها ، وراح يحدق الى أمام.
بمحاذاة الشط صعودا الى المدينة ، تتعدد الشوارع وتتناثر البيوت حتى قلبها المكتظ بكل شىء . سلكت الفراشة ذات الطريق بجوار الضفة الشرقية المزدحمة بالسيارات والمارة اللذين يتبادلون التحايا بالعيون وإنحناءات الرؤوس .
كانت ملامح المساء تقترب من البساتين في الضفة الأخرى .
لم تيأس الفراشة التي تحمل طوقين من الياسمين ، لكنها بدت متعبة ، رغم حفاوة متنزه المدينة الوحيد .
تثائبت على أمل جديد يعج بالزقزقات والهديل وشذى الزهور ،
همست مع نفسها ،
: أين أجدكما ، ولماذا غبتما كل هذه الفترة
: تتحدثين مع نفسك أيتها الفراشة ، هل تحتاجين الى شىء ؟ قال ذلك العصفورالواقف وسط اغصان شجرة التوت .
ألتفتت متلمسة أطواق الياسمين ، وقالت
: إنني أبحث عن عاشقين . هل تستطيع ان تدلني ؟
: نعم ، أستطيع ، هيا إتبعيني .
سلكا خيوط الغروب المزدانة بالأشواق التي أضافت رونقا يضاهي الصمت المطبق في المدينة .
: ها نحن نقترب ، سنجتاز محلات الصاغة وأصحاب السجاد وبائعي الحبوب والحدادين ، وفي المنعطف شمالا مابين المسجد ودار القاضي المتقاعد سنصل الدار .
إرتبكت الفراشة على هرهرة كلبة في بداية الشارع ، ومواء قطة صغيرة قفزت من سطح أحد البيوت المقابلة وسط رشات الماء المندلقة في الشارع بقوة .
إنفتحت الباب قليلا ، يرافقها أزيز الخشب العتيق ، فبان خمار أسود أضاف للوجه المستدير بأنف دقيقة وعينين ذابلتين ، بهاء آخر
وضعت الفراشة أحد الأطواق فوق رأسها الصغير ، ودست في يدها المخبؤة تحت الخمار الطوق الآخر .
تساقطت الدموع وإنبجست رفرفة من أجنحة العصفورمشيرة الى جهة الجنوب المتوجس بالصمت والأنتظار.






أتى هذا الخبر من الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق
http://www.iraqiwritersunion.com

عنوان الرابط لهذا الخبر هو:
http://www.iraqiwritersunion.com/modules.php?name=News&file=article&sid=11356